منذ إقرار مبدأ التنظيم الذاتي للصحافة باعتباره مكسبا ديمقراطيا يكرس استقلالية المهنة عن السلطة التنفيذية، كان المنتظر أن يشكل المجلس الوطني للصحافة نموذجا لاحترام دورية المؤسسات وتجديد الشرعية عبر الانتخابات.
غير أن ما وقع بعد انتهاء الولاية الأولى للمجلس يطرح أسئلة مقلقة حول مدى جدية الالتزام بهذا المبدأ.
فقد انتهت السنوات الأربع القانونية دون تنظيم انتخابات جديدة في موعدها، وهو ما شكل أول خرق لمنطق الانتظام المؤسساتي الذي يفترض أن يؤطر هيئة يفترض فيها أن تسهر على أخلاقيات المهنة واحترام القانون.
تم اللجوء بعد ذلك إلى تمديد استثنائي لمدة ستة أشهر من أجل تدارك التأخر وتنظيم الانتخابات.
كان يفترض أن تشكل هذه المهلة فرصة أخيرة لإعادة الأمور إلى نصابها، لكنها مرت دون أن يتحقق الهدف المعلن منها.
ومع انقضاء التمديد دون انتخابات، دخل القطاع مرحلة أكثر ارتباكا عبر إحداث لجنة مؤقتة قيل إن مهمتها الأساسية هي الإعداد لانتخاب مجلس جديد وضمان انتقال سلس. غير أن هذه اللجنة استمرت بدورها سنتين دون أن تنظم الانتخابات التي أُحدثت من أجلها، ما جعل الوضع الاستثنائي يتحول إلى واقع دائم.
هذا التسلسل لا يمكن اعتباره مجرد تعثر تقني أو خلاف مهني عابر.
التنظيم الذاتي يقوم أساسا على احترام الآجال، وعلى احتكام المهنة إلى صناديق الاقتراع لتجديد تمثيليتها.
عندما تنتهي الولاية دون انتخابات، ثم يمر التمديد دون نتيجة، ثم تتحول اللجنة المؤقتة إلى إطار طويل الأمد بلا أفق انتخابي واضح، فإننا نكون أمام خلل يمس جوهر الفكرة نفسها.
التنظيم الذاتي لا يُختزل في وجود هيئة تحمل الاسم، بل في استقلاليتها الفعلية وفي قدرتها على تجديد شرعيتها بشكل دوري ومنتظم.
وإذا كان هذا المسار قد أثار انتقادات واسعة، فإن ما أعقبه زاد الصورة تعقيدا.
الوزير محمد المهدي بنسعيد، بعد فشله في تنظيم انتخابات الصحفيين والناشرين خلال كل المراحل السابقة، لجأ مرة أخرى إلى خيار إحداث لجنة جديدة عبر مرسوم.
وكأن الحل لكل تعثر انتخابي هو تعويضه بلجنة مؤقتة أخرى.
غير أن المرسوم نفسه لم يعمر طويلا؛ إذ تم سحبه من جدول أعمال مجلس الحكومة الذي انعقد يوم الخميس، في مشهد عكس ارتباكا واضحا في الرؤية والتدبير.
الأكثر إثارة أن الوزير، مباشرة بعد سحب المرسوم في اليوم نفسه، سارع إلى عقد ندوة صحفية سريعة ليعلن أن الإدارة السابقة للمجلس ستستمر في عملها، بعدما “تذكر” أو ذُكِّر بمبدأ استمرارية الإدارة.
هذا التبرير، الذي قُدم كحل عقلاني، يعمق في الواقع الإحساس بغياب تصور مستقر لإدارة هذا الملف. إحداث لجنة ثم سحبها، ثم العودة إلى الإدارة السابقة، ليس مؤشرا على تخطيط مؤسساتي محكم، بل يعكس حالة تخبط في معالجة أزمة كان يمكن تفاديها بتنظيم انتخابات في موعدها الأصلي.
منطق الاستثناء هنا لم يعد مجرد مرحلة انتقالية، بل أصبح أسلوبا في التدبير.
لجنة مؤقتة تعوض مجلسا منتخبا، ثم التفكير في لجنة أخرى تعوض الأولى، ثم التراجع والعودة إلى الإدارة السابقة.
في كل مرة يتم البحث عن صيغة مؤقتة، بينما يغيب الحل الجوهري: الاحتكام إلى صناديق الاقتراع وتجديد الشرعية.
هذا التردد بين القرارات وسحبها يطرح سؤالا أكبر حول حدود تدخل السلطة التنفيذية في هيئة يفترض أنها تجسد التنظيم الذاتي للمهنة.
انعكاسات هذا المسار لا تقتصر على الجانب القانوني، بل تمتد إلى مصداقية الخطاب الرسمي حول استقلالية الصحافة.
الصحافي الذي يُطالب باحترام القانون وأخلاقيات المهنة يلاحظ في المقابل أن مؤسسته التمثيلية لم تُجدد شرعيتها منذ سنوات، وأن مصيرها يُحسم بقرارات حكومية متعاقبة بين إحداث وسحب وتمديد.
والناشر الذي ينتظر وضوحا في قواعد اللعبة يجد نفسه أمام مسلسل من الإجراءات المؤقتة التي لا تنتهي.
أربع سنوات انتهت دون انتخابات، ستة أشهر إضافية لم تُستثمر، لجنة مؤقتة استمرت سنتين، محاولة لإحداث لجنة جديدة ثم سحبها في اليوم نفسه، وأخيرا العودة إلى الإدارة السابقة تحت عنوان استمرارية المرفق.
هذا المسار يصعب وصفه بغير كونه ارتباكا مؤسسيا عميقا، إن لم نقل عبثا يفرغ فكرة التنظيم الذاتي من محتواها.
فالشريعة لا تُستبدل بلجان متتالية، ولا تُرمم بندوات صحفية مستعجلة، بل تُستعاد عبر انتخابات حرة وشفافة في آجال واضحة ومعلنة.
إذا كان هناك حرص فعلي على حماية استقلالية المهنة، فإن الخطوة الأولى ليست إحداث لجان جديدة أو سحب مراسيم تحت ضغط النقاش، بل احترام أبسط قواعد الديمقراطية المهنية: تمكين الصحفيين والناشرين من انتخاب ممثليهم دون تأجيل جديد.
بدون ذلك، سيبقى الحديث عن التنظيم الذاتي أقرب إلى شعار نظري، بينما الواقع يكشف عن إدارة مؤقتة لأزمة كان يمكن حسمها منذ سنوات بقرار بسيط: تنظيم الانتخابات.















