حين تتصدر مشاهد الشباب المغربي وهم يحاولون العبور سباحة أو تسلقا نحو مدينتين محتلتين، مرفقة بصور الاعتقالات والمحاكمات السريعة والقاصرين المودعين في مراكز الحماية، يسارع الخطاب الرسمي إلى تأطير المشهد بوصفه قضية أمنية بحتة، متابعات جنحية وجنائية، إخلالا بالنظام العام يستوجب الردع.
لكن هذا التأطير، بقدر ما هو مريح للمسؤولين، بقدر ما هو تضليل متعمد لمكان المسؤولية الحقيقي.
فمن هؤلاء الذين يملأون قاعات المحاكم اليوم؟ شباب وقاصرون، أبناء أحياء هامشية ومدن داخلية منسية، لم يكن حلمهم سوى الوصول إلى ضفة أخرى يتوهمون فيها كرامة مفقودة وأفقا اقتصاديا يستحيل أن يجدوه في وطنهم.
ليسوا مجرمين بالمعنى الذي تحاول النيابات العامة تكريسه، بل هم ضحايا منظومة كاملة فشلت في أن توفر لهم أبسط مقومات العيش الكريم: شغل، تعليم يفضي إلى أفق، خدمات صحية، عدالة مجالية بين المركز والهامش.
المساءلة الحقيقية يجب أن تتجه نحو جهة أخرى تماما. نحو المسؤولين في قطاعات التشغيل والتكوين المهني الذين لم يستطيعوا استيعاب أفواج الشباب الخارجين من منظومة تعليمية عاجزة هي الأخرى عن ربط المعرفة بسوق الشغل.
نحو المسؤولين عن السياسات الجهوية الذين كرّسوا، لعقود، خريطة تنموية تُغرق بعض الجهات في البنية التحتية بينما تترك أخرى، كجهة الشرق ومناطق واسعة من الشمال، تراكم الحرمان جيلا بعد جيل. نحو من صمم برامج محاربة الفقر والهشاشة على الورق دون أن يترجمها إلى أثر ملموس في حياة الأسر.
حين يصل الشاب إلى درجة المخاطرة بحياته سباحة في مياه تفصل بين الحياة والموت، أو تسلق أسلاك شائكة تمزق الجسد، فإن ذلك ليس خيارا عبثيا، بل هو الحصيلة المنطقية لتراكم سياسات عمومية أدارت ظهرها لفئة كاملة من المجتمع.
والأخطر من ذلك أن الدولة، بدل أن تراجع هذه السياسات وتحاسب المتسببين فيها، تُحوّل الضحية إلى متهم، وتُغرق المحاكم بملفات جنحية وجنائية ضد شباب لا ذنب لهم سوى أنهم عبّروا، بأجسادهم، عن فشل جماعي.
ما تفعله جمعيات حقوق الإنسان، كما في بلاغ فرع الناظور الذي طالب بتأجيل المحاكمات ضمانا لحق الدفاع في ظل إضراب هيئة المحامين، ليس ترفا حقوقيا، بل تذكير بأن المحاكمة العادلة تبدأ من موقع صحيح للمساءلة. فحين يُودع قاصرون في مراكز الحماية بسبب محاولتهم الهجرة، وحين يفوق عدد المتابعين الخمسين شخصا في ملف واحد، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس “بأي تهمة نحاكمهم؟” بل “من الذي دفعهم إلى هذا المصير أصلا؟”.
الصورة التي شوهت سمعة المغرب في هذه الأحداث ليست صورة شباب يحلمون بحياة أفضل، بل صورة دولة تعاقب ضحايا سياساتها الفاشلة بدل أن تراجعها. والمحاسبة، إذا كانت مطلوبة فعلا، يجب أن تبدأ من هناك.















