منذ متى كان تنظيم الانتخابات المهنية في المغرب مرادفا للنزاهة؟ التجربة تقول إن كل استحقاق يهم مؤسسات التقنين الذاتي للصحافة ينتهي إلى الشيء نفسه: تدبير مرتجل، إقصاء ممنهج، وصمت مطبق بعد ذلك عن المحاسبة.
سنة 2018، حين كانت المهنة تحاول بناء أول مجلس وطني للصحافة، تنافست ثلاث لوائح على تمثيلية الصحافيين و الناشرين. في اللحظات الأخيرة، انسحبت لائحتان من السباق احتجاجا على الطريقة التي كانت تدار بها العملية، وبقيت لائحة واحدة تخوض الاستحقاق شبه منفردة. ورغم الجدل الذي رافق ذلك الانسحاب، استمرت الأمور في مسارها وكأن شيئا لم يكن؛ لا تحقيق، لا مساءلة، لا مراجعة للمسطرة.
طويت الصفحة، وتشكل المجلس، ومضت المهنة إلى غير رجعة نحو نفس الأخطاء.
اليوم، في 2026، يبدو أن السيناريو ذاته يُعاد إنتاجه بتفاصيل مختلفة لكن بمنطق واحد: من يتحكم في “الباب الضيق” للترشيحات يتحكم في نتيجة الانتخاب قبل أن يبدأ.
سبعون ملفا في القمامة .. وستة “ناجون” فقط
اللجنة المؤقتة، التي عينتها الحكومة لتسيير المسار الانتخابي للمجلس الوطني للصحافة، أقدمت على ما يشبه “المجزرة الإدارية” في حق فيدرالية الناشرين.
من أصل أربعة وسبعين ملفا تقدمت بها الفيدرالية لمؤسسات صحافية منضوية تحت لوائها، لم يصمد أمام “غربلة” اللجنة سوى عدد ضئيل لا يتجاوز ست أو سبع مؤسسات، بحسب الروايات المتداولة.
والأنكى من الرقم نفسه هو الطريقة التي أُنجزت بها هذه “الغربلة”. فقد أُخطرت الفيدرالية أول الأمر بوجود نواقص في ستة ملفات فقط، فبادرت إلى استكمالها.
لكن في اليوم نفسه، وبشكل مفاجئ، توصلت بمراسلة ثانية تشير إلى أن عدد الملفات “الناقصة” ليس ستة بل تسعة وستون ملفا، مع مطالبتها باستكمال كل هذا الكم من الوثائق في نفس اليوم.
مهلة لا تكفي لتصوير الأوراق، فما بالك باستكمال ملفات مؤسسات صحافية بكامل مرفقاتها القانونية والإدارية.
هل هذا سوء تدبير؟ أم هو إقصاء مُمنهج يرتدي لباس الإجراء الشكلي؟ حين تتحول “النواقص الإدارية” فجأة من ستة إلى تسعة وستين في مراسلة واحدة، فإن المسألة تتجاوز منطق “الخطأ التقني” إلى منطق أقرب إلى “الرغبة في النتيجة سلفا”.
من يستفيد من إقصاء سبعين ناشرا؟
السؤال الذي يجب أن يُطرح بصوت عال: من المستفيد من إخراج الغالبية الساحقة من الناشرين من ميدان المنافسة، وترك سبعة مقاعد الناشرين في المجلس الوطني للصحافة تُحسم عمليا بين عدد محدود جدا من الفاعلين؟
حين يُقصى سبعون من أصل أربعة وسبعين طلبا، فإن ما يتبقى ليس “منافسة” بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل تزكية مقنّعة.
وإذا كانت هيئة واحدة من هيئات الناشرين قد “تهيأت لها كل السبل” -كما يُقال- للفوز بالمقاعد السبعة كاملة، فإن ذلك لا يمكن أن يكون محض صدفة إدارية، بل نتيجة مباشرة لمسطرة إقصاء صُممت لتفضي إلى هذه الخلاصة بالذات.
فيدرالية الناشرين أمام مفترق: الانسحاب أم المواجهة؟
هنا تكمن المفارقة المؤلمة: فيدرالية الناشرين، وهي الهيئة التي قدمت العدد الأكبر من الملفات للمشاركة في عملية الانتداب، تجد نفسها اليوم أمام خيارين أحلاهما مر.
إما أن تستمر في خوض معركة خاسرة سلفا، في ظل قواعد لعبة صيغت لإقصائها، فتمنح بذلك “شرعية شكلية” لمسار تعتبره هي نفسها مطعونا فيه من الأساس.
أو أن تنسحب، كما فعلت لوائح 2018، احتجاجا على الطريقة التي أُديرت بها العملية -وهو ما بدأت بوادره تظهر بالفعل – لتترك الساحة خالية أمام الهيئة الوحيدة التي تبقى في المنافسة.
وفي الحالتين، النتيجة واحدة تقريبا: مجلس وطني للصحافة يُفترض فيه أن يمثل تعددية المهنة وتنوع مكوناتها، يخرج إلى الوجود مشوبا منذ يومه الأول بشبهة عدم التمثيلية، تماما كما حدث سنة 2018 حين “استمرت الأمور ولم يقع شيء” رغم الانسحابات والاحتجاجات.
التاريخ لا يعيد نفسه بمحض الصدفة
حين تتكرر نفس السيناريوهات في نفس المؤسسة بفارق ثماني سنوات، فإن السؤال الحقيقي لم يعد “هل ستنسحب فيدرالية الناشرين؟”، بل: لماذا تظل الجهات الوصية عاجزة -أو غير راغبة- عن ضمان انتخابات مهنية نزيهة لهيئة يُفترض أن تكون حارسة لأخلاقيات المهنة واستقلاليتها؟
فإذا كانت اللجنة المكلفة بتسيير أول انتخابات لمجلس بهذا الحجم عاجزة عن ضبط مسطرة قبول الترشيحات بالحد الأدنى من الشفافية والإنصاف، فكيف يُنتظر منها أن تشرف على مسار انتخابي نزيه في مراحله اللاحقة؟ وكيف يمكن لمجلس وُلد من رحم الإقصاء أن يحظى بالمصداقية اللازمة للدفاع عن كرامة الصحافيين وتنظيم المهنة؟
الجواب، للأسف، تكتبه التجربة المغربية مرارا: لا أحد يُحاسَب، ولا شيء يتغير، والمهنة هي الخاسر الأكبر في كل مرة.















