منذ أزيد من ستة عقود، والمغرب يخوض محطات انتخابية متتالية، تتغير فيها الشعارات وتتبدل الوجوه أحياناً، لكن جوهر اللعبة السياسية يبقى على حاله.
اليوم، ومع اقتراب استحقاقات جديدة، لا يبدو أن المشهد يعد بأي انزياح جوهري عن هذا النمط المتكرر، بل إن المتتبع للخطاب السياسي السائد، وخاصة لدى بعض مكونات الأغلبية الحكومية المنتهية ولايتها، يجد نفسه أمام مؤشر أعمق من مجرد أزمة أداء: إنه مؤشر على أزمة بنيوية في العلاقة بين السياسي والمجتمع.
حين تتحول اللغة إلى عرَض
المفردات ليست بريئة أبداً في الفعل السياسي. حين يصبح “الفراقشية” أو “الإرهابيين” جزءاً من قاموس التخاطب اليومي بين الفاعلين السياسيين أنفسهم، أو حين تتحول جلسات النقاش العمومي إلى فضاء لعبارات من قبيل “القنادح” أو “بلا مايو” أو “تيكو الكارطة”، فإننا لسنا أمام زلات لسان عابرة، بل أمام عرَض لانحطاط في تصور النخب السياسية لدورها ولمكانة المؤسسة التي تمثلها. الخطاب هنا ليس شكلاً منفصلاً عن المضمون؛ هو ترجمة مباشرة لضعف التأطير، ولغياب ثقافة سياسية قائمة على التداول الجاد في الشأن العام.
هذا الانزلاق اللغوي لا يمكن فصله عن سياق أوسع: نظام انتخابي أفرغ الانتخابات من وظيفتها التمثيلية والتأطيرية، وحولها إلى طقس دوري يعيد إنتاج نفس الوجوه ونفس الهيئات البعيدة عن الممارسة السياسية الفعلية، ونفس البرامج المكرورة التي لا تُراجَع ولا يُحاسَب أصحابها على تطبيقها من عدمه.
الحكومة التقنوقراطية: حكومة داخل الحكومة
أحد أعطاب المنظومة الحالية يكمن في التركيبة الحكومية ذاتها.
حين يشارك في الحكومة وزراء لا ينتمون إلى الحقل السياسي، ولا يخضعون لمنطق المحاسبة الحزبية والانتخابية، تُطرح إشكالية مشروعية أعمق:
كيف يمكن الحديث عن حكومة سياسية بالمعنى الدستوري للكلمة، وهي تضم مكوناً تقنوقراطياً غير قابل للمساءلة أمام الناخب؟
هذا الخلل ليس تفصيلاً إدارياً، بل هو صدع في مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي يُفترض أن يكون العمود الفقري لأي نظام ديمقراطي تمثيلي.
نحو معادلة سياسية جديدة
الخلاصة التي تفرض نفسها ليست دعوة إلى مقاطعة الفعل الانتخابي، بل دعوة إلى إعادة النظر الجذرية في قواعد اللعبة نفسها، قبل فوات الأوان على الثقة المتآكلة أصلاً بين المواطن والمؤسسات.
ومن أبرز الخطوط التي يمكن أن تؤسس لهذه المعادلة الجديدة:
إسقاط المنطق الحالي لتشكيل الحكومة، بحيث لا تُقترح أي وزارة “سيادية” خارج نطاق الأغلبية الحزبية المنتخبة، تكريساً لسلطة حكومية كاملة تقابلها مسؤولية كاملة.
تعيين رئيس الحكومة بشكل تلقائي فور إعلان فوز حزبه بالأغلبية، دون مساومات ما بعد انتخابية تُفرغ الاختيار الشعبي من مضمونه.
منع الأمية والمتابعة القضائية، ولو بشبهة، من الترشح للانتخابات، صوناً لمصداقية المؤسسة التمثيلية.
الفصل بين المال والسلطة والسياسة، بما يقطع الطريق أمام تحول الانتخابات إلى سوق للنفوذ الاقتصادي.
تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة كقاعدة صارمة لا استثناء فيها.
تعيين الوزراء مباشرة من طرف رئيس الحكومة، تكريساً لتماسك الفريق الحكومي وتحمّله الكامل لنتائج سياساته.
هذه المقترحات ليست ترفاً فكرياً، بل استجابة ضرورية لواقع أثبتت فيه عقود من الممارسة الانتخابية أن الشكل وحده لا يكفي لبناء الديمقراطية. فبين خطاب سياسي يتآكل يوماً بعد يوم، ونظام انتخابي يعيد إنتاج أزماته بدل تجاوزها، تبقى الكرة في ملعب من يملكون سلطة التشريع: إما الاستمرار في إدارة الأزمة، أو الشروع الجاد في صياغة عقد سياسي جديد أكثر شفافية وإنصافاً وديمقراطية.














