لم تكن الخرجة الإعلامية الأولى لفوزي لقجع من أكادير، بعد التحاقه رسمياً بحزب الأصالة والمعاصرة، في مستوى الضجيج الذي رافق دخوله إلى الحياة الحزبية.
فالرجل الذي ظل لسنوات واحداً من أكثر الأسماء حضوراً في المشهد الرياضي المغربي، دخل إلى السياسة من باب حزب كان يفترض أن يقدم له، قبل غيره، أجوبة مقنعة عن سؤال بسيط لكنه جوهري: لماذا «البام»؟ ولماذا الآن؟
انضمام لقجع إلى المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة أُعلن عنه في 25 يوليوز 2026، في سياق استعداد الحزب للانتخابات التشريعية المقبلة.
لكن ما كان منتظراً من هذه الخرجة الإعلامية هو أن يقدم الوافد الجديد نفسه سياسياً، وأن يشرح للمغاربة ما الذي دفعه إلى الانتقال من ملاعب كرة القدم وتدبير المالية العمومية إلى فضاء حزبي شديد الحساسية، لا أن يكتفي بخطاب عام لا يجيب عن الأسئلة الكبرى التي يطرحها هذا الانتقال.
والواقع أن لقجع لا يدخل إلى حزب عادي. إنه يدخل إلى حزب يحمل معه تاريخاً سياسياً ثقيلاً، ويواجه في نهاية الولاية الحكومية الحالية حصيلة من الانتقادات المرتبطة بأداء عدد من وزرائه وقياداته، وفي مقدمتهم فاطمة الزهراء المنصوري، ومحمد المهدي بنسعيد، وبشكل أكثر إثارة للجدل عبد اللطيف وهبي.
كما أن الحزب يدخل هذه المرحلة وهو مثقل بصورة سياسية لم يعد من السهل فصلها عن أزمات وتداعيات السنوات الأخيرة. ولعل أقسى ما يواجهه في هذا السياق هو ملف «إسكوبار الصحراء»، الذي انتهى في يونيو 2026 إلى إدانة سعيد الناصري، القيادي السابق في الحزب، بعشر سنوات سجناً نافذاً، وعبد النبي بعيوي، الرئيس السابق لجهة الشرق، باثنتي عشرة سنة، في قضية تضمنت، ضمن التهم التي حوكم عليها المتابعون، الاتجار الدولي في المخدرات وغيرها من الجرائم.
ومن الإنصاف هنا التأكيد أن المسؤولية الجنائية شخصية، وأن إدانة قياديين سابقين لا تعني إدانة الحزب كتنظيم أو تحميل جميع أعضائه مسؤولية أفعال أشخاص بعينهم.
لكن السياسة لا تُقاس فقط بالأحكام القضائية، بل أيضاً بالصورة التي تتشكل في الوعي العام، وبقدرة الحزب على تقديم خطاب يقنع الناس بأنه استخلص الدروس من أخطائه، وأنه قادر على تجديد نفسه أخلاقياً وسياسياً.
وهذا بالضبط ما كان ينتظره الرأي العام من لقجع.
كان يفترض أن يقول، بوضوح: لماذا اخترت «البام»؟ ماذا وجدت فيه من مشروع؟ ماذا ستضيف إليه؟ وماذا تريد أن تضيفه إلى المغرب من خلاله؟
لكن الخرجة بدت، في نظر منتقدين، باهتة من حيث الرسائل السياسية، وبعيدة عن مستوى اللحظة التي يفترض أن تشكل إعلان ميلاد سياسي جديد لشخصية بحجم فوزي لقجع.
فالمشكلة ليست في أن لقجع اختار «البام». ذلك حق سياسي مشروع. والمشكلة ليست أيضاً في انتقال رجل رياضي أو إداري إلى العمل السياسي.
بل إن السؤال الحقيقي يتعلق بما إذا كان هذا الانتقال يحمل معه فكراً سياسياً جديداً، أم أنه مجرد انتقال لشعبية رياضية كبيرة إلى سوق انتخابية تبحث عن الوجوه القابلة للاستثمار.
لقد كان من الصعب ألا يستحضر المتابع، وهو يشاهد هذه الخرجة، النقاش الذي أثارته قراءات إعلامية سابقة حول استقطاب لقجع.
فقد ذهبت إحدى الافتتاحيات إلى التساؤل عما إذا كان الرجل يمثل «أرنب سباق» في ميركاتو انتخابي للحزب، أم أن وراء استقطابه حسابات سياسية أعمق.
وهنا يصبح استحضار حميد المهداوي وتوفيق بوعشرين مفيداً، ليس لأنهما يقدمان الحقيقة النهائية حول لقجع، وإنما لأنهما يمثلان صوتين نقديين يطرحان سؤالاً أوسع من شخص الرجل: ماذا بقي من الأحزاب السياسية إذا أصبحت عملية الاستقطاب تقوم على قوة الاسم والشهرة والقدرة على جلب الأصوات أكثر مما تقوم على قوة الأفكار والبرامج؟
وهذا السؤال يصبح أكثر إلحاحاً عندما يتعلق الأمر بحزب الأصالة والمعاصرة، الذي ارتبط منذ نشأته بقراءات سياسية تعتبره من الأحزاب التي استفادت من قربها من دوائر القرار، وظلت صورة «الحزب الإداري» أو «الحزب المخزني» تلاحقه في النقاش العمومي، رغم التحولات التي عرفها تنظيمياً وسياسياً خلال السنوات الماضية.
ولذلك فإن التحاق شخصية بحجم لقجع بالحزب لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره مكسباً انتخابياً. فهو اختبار أيضاً للحزب نفسه: هل يستطيع أن يقدم للوافد الجديد مشروعاً سياسياً مقنعاً، أم أن الأمر يتعلق أساساً بإضافة اسم جماهيري إلى قائمة الأسماء التي يمكن أن ترفع من جاذبية الحزب في الانتخابات المقبلة؟
ثم هناك سؤال آخر أكثر حساسية يتعلق بصورة الحزب تجاه الصحافة وحرية التعبير.
فالأصالة والمعاصرة، عبر أحد أبرز قادته السابقين، عبد اللطيف وهبي، وجد نفسه في مواجهة قضائية وإعلامية مع عدد من الصحافيين والنشطاء. ولعل قضية الصحافي حميد المهداوي أصبحت من أكثر الملفات دلالة في هذا السياق، بعدما تقدم وهبي، بصفته وزيراً للعدل والأمين العام السابق للحزب، بشكايات ضده، وانتهى أحد الملفات إلى حكم ابتدائي في يونيو 2026 بغرامة وتعويض مدني، مع تبرئة المهداوي من بعض التهم التي كان متابعاً بها.
ولا يتعلق الأمر هنا بتبرئة الصحافي من أي مسؤولية قضائية أو بإدانته خارج القضاء، وإنما بطرح سؤال سياسي مشروع: كيف يمكن لحزب يرفع شعارات الحداثة والديمقراطية والحرية أن يقنع الصحافيين والمواطنين بأن علاقته بالنقد ستكون علاقة سياسية ومؤسساتية، وليس علاقة شكايات ومحاكم؟
وهنا تحديداً يصبح حضور لقجع في «البام» أكثر تعقيداً.
فهو لا يدخل فقط إلى حزب يبحث عن الفوز بالانتخابات؛ بل يدخل إلى حزب يحتاج، قبل أي شيء، إلى إعادة بناء الثقة.
والثقة لا تُبنى بالأسماء الكبيرة وحدها.
لا يمكن أن يصبح لقجع سياسياً بمجرد أن يحمل بطاقة حزبية. ولا يمكن أن تتحول إنجازاته في كرة القدم إلى برنامج سياسي.
كما أن تدبير ملفات الميزانية لا يعني تلقائياً امتلاكه تصوراً متكاملاً للمجتمع والدولة والاقتصاد والحريات.
السياسة شيء آخر.
السياسة هي أن تكون لديك إجابات عن المدرسة العمومية، والصحة، والبطالة، والسكن، والقدرة الشرائية، والشباب، والعدالة الاجتماعية، والحريات، والإدارة، والفساد، والتنمية الترابية، وموقع المغرب في محيطه الإقليمي والدولي.
أما أن يدخل السياسي الجديد إلى المشهد محمولاً على مجده القديم، فذلك لا يصنع بالضرورة تجديداً سياسياً.
وإذا كان «البام» يريد أن يقدم لقجع باعتباره أحد وجوه التجديد، فعليه أن يوضح للمغاربة ما الذي تغير في الحزب، وما الذي تغير في خطابه، وما الذي تغير في ممارسته.
فالمغاربة اليوم ليسوا في حاجة إلى مزيد من «النجوم» في السياسة، وإنما إلى سياسيين قادرين على إنتاج الأفكار وتحمل المسؤولية وتقديم الحساب.
لقد تغير المغرب كثيراً خلال ربع قرن. تغير المجتمع، وتغير الإعلام، وتغيرت وسائل التواصل، وارتفع سقف انتظارات الشباب، وأصبح المواطن أكثر قدرة على مساءلة السياسي ومقارنة وعوده بممارساته.
ولهذا فإن تقديم خطاب سياسي بلغة قديمة، وبمنطق الشخص بدل المشروع، قد يعطي الانطباع بأننا نعيد إنتاج الماضي بدل أن نبني المستقبل.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق فوزي لقجع منذ أول يوم له داخل «البام» ليس: كم مقعداً يمكن أن يجلب للحزب؟
بل: ماذا سيقدم للسياسة المغربية؟
إذا كان الجواب هو مشروع سياسي جديد، فليقدمه.
وإذا كان الجواب هو الدفاع عن نموذج تنموي جديد، فليشرح تفاصيله.
وإذا كان الجواب هو إصلاح الإدارة والمالية والتعليم والصحة والشباب، فليضع أمام المغاربة برنامجه.
أما إذا كان الرهان مجرد تحويل الشعبية التي صنعتها كرة القدم إلى رصيد انتخابي، فإن ذلك لن يكون تجديداً للسياسة، وإنما مجرد «ميركاتو» جديد، لكن هذه المرة خارج الملعب.
فوزي لقجع دخل «البام» بثقل اسمه، لكن الاسم وحده لا يصنع رجل سياسة. والإنجاز الرياضي لا يمنح صاحبه شيكاً على بياض في السياسة. كما أن القرب من مراكز القرار أو النجاح الإداري لا يعفي السياسي من امتحان الديمقراطية والحريات والمساءلة.
والأخطر من كل ذلك أن يجد لقجع نفسه، من حيث لا يريد، داخل حزب يحمل إرثاً من الأسئلة حول علاقته بالإدارة، وصورة قياداته، وحصيلته الحكومية، وملفات بعض أعضائه السابقين، وعلاقته بالنقد الصحافي.
لذلك فإن المطلوب من لقجع ليس أن يثبت أنه قادر على الفوز في الانتخابات فقط، وإنما أن يثبت أنه قادر على تغيير قواعد اللعبة السياسية نفسها.
ففي كرة القدم، يمكن أن تحسم المباراة في تسعين دقيقة.
أما في السياسة، فإن الجمهور لا يصفق طويلاً لمن لا يملك مشروعاً.
والانتخابات المقبلة قد تمنح لقجع فرصة الدخول إلى الملعب السياسي، لكن وحدها الممارسة ستجيب عما إذا كان قد دخل ليغير اللعبة، أم دخل فقط ليكون لاعباً جديداً فيها.















