منذ العشرين من يوليوز الجاري، تشهد مدينة سبتة المحتلة تصاعدا لافتا في محاولات العبور سباحة انطلاقا من السواحل المغربية، في واحدة من أكبر موجات العبور التي عرفتها المدينة خلال السنوات الأخيرة.
مئات، بل آلاف الشباب والشابات المغاربة، يخوضون رحلة محفوفة بالمخاطر نحو ضفة لا تبعد سوى أمتار جغرافيا، لكنها تبعد سنوات ضوئية من حيث الفرص والآفاق. والمشهد، على قسوته، ليس مجرد حادثة عابرة تستدعي التغطية الإخبارية فحسب، بل هو عرض صادق لأزمة بنيوية عميقة تراكمت طيلة عقود من السياسات العمومية العرجاء.
خلف كل جسد يصارع الأمواج نحو سبتة، توجد قصة يأس فردي تتقاطع مع فشل جماعي.
فالشباب الذين يقررون خوض هذه المغامرة ليسوا، في غالبيتهم، ضحايا شبكات تهريب منظمة بقدر ما هم ضحايا معادلة اجتماعية واقتصادية مختلة: بطالة مزمنة تطال حملة الشهادات قبل غيرهم، هشاشة في سوق الشغل غير المهيكل، غياب أفق حقيقي للتنقل الاجتماعي، وإحساس متنام بأن الوطن لم يعد قادرا على استيعاب طموحات جيل بأكمله.
حين يتحول البحر، رغم عنفه، إلى خيار أقل رعبا من واقع الجمود، فإن المشكلة لم تعد مشكلة أفراد ضلوا الطريق، بل أزمة دولة عجزت عن الإيفاء بوعودها التنموية.
وهنا بالضبط يكمن السؤال الأصعب: أين كانت السياسات العمومية طيلة العقد الأخير؟ توالت الحكومات، وتوالت معها البرامج والمخططات التي حملت أسماء برّاقة عن التشغيل والإدماج الاقتصادي للشباب، من “مبادرة التشغيل” إلى برامج دعم المقاولات الذاتية، مرورا بخطط جهوية للتنمية البشرية، لكن النتيجة الملموسة على الأرض ظلت هزيلة أمام حجم الحاجة الفعلية. سياسات القرب لم تصل إلى القرب الفعلي من المواطن، وبرامج التشغيل بقيت في الغالب حبرا على ورق أو مبادرات محدودة الأثر لا تتناسب مع الأعداد المتزايدة من الخريجين والعاطلين. هذا التراكم من الإخفاقات، حكومة بعد أخرى، هو ما يفسر اليوم لماذا يفضل شاب أو شابة المخاطرة بحياته في عرض البحر على الاستمرار في انتظار فرصة لا تأتي.
وإذا كانت الذاكرة القريبة تستحضر تلقائيا أزمة ماي 2021، حين شهدت سبتة تدفقا مهولا لآلاف المهاجرين في غضون أيام معدودة، فإن المقارنة بين الموجتين تكشف عن اختلاف جوهري في الطبيعة، وإن تشابهت في الصورة.
أزمة 2021 كانت، في جوهرها، أزمة ذات بعد دبلوماسي وسياسي بامتياز، تفجرت في سياق توتر بين الرباط ومدريد على خلفية ملفات إقليمية حساسة، واستُخدمت الحدود، في تلك اللحظة، كورقة ضغط سياسي بامتياز.
أما الموجة الحالية، فتبدو، على الأقل في ظاهرها، أقرب إلى انفجار اجتماعي عفوي، تغذيه عوامل بنيوية داخلية أكثر منها حسابات دبلوماسية آنية، وإن كان لا يمكن استبعاد كليا أن تتقاطع هذه العوامل الداخلية مع سياقات إقليمية ودولية معينة.
وهنا يطرح السؤال الأكثر حساسية: من المستفيد من هذا المشهد، ومن المتضرر؟ فمن جهة، تتسبب هذه الصور، التي تنتشر بسرعة عبر وسائل الإعلام الإسبانية والدولية، في إلحاق ضرر مباشر بصورة المغرب، إذ تُختزل البلاد في مشاهد شباب يفرون سباحة نحو الضفة الأخرى، وهو ما يخدم خطابات معينة، داخل إسبانيا وخارجها، تسعى إلى تصوير المملكة كبلد طارد لا بلد جاذب، في وقت يستثمر فيه المغرب دبلوماسيا واقتصاديا لتحسين موقعه الإقليمي والدولي. ومن جهة أخرى، لا يمكن إغفال أن هذا المد المتصاعد يخدم أيضا خطابات اليمين الإسباني المتشدد الذي يستثمر كل موجة عبور لتبرير مواقفه المتعنتة تجاه الهجرة والمهاجرين، بصرف النظر عن أصلهم.
هذا التقاطع بين المستفيدين المحتملين، على تباين مواقعهم ومصالحهم، يفتح الباب أمام تساؤل مشروع حول ما إذا كانت بعض جوانب هذه الظاهرة، في توقيتها وحجمها وطريقة تصويرها وتداولها إعلاميا، تخضع لتوظيف من طرف جهات معينة تسعى إلى الإساءة لصورة المملكة في لحظة إقليمية ودولية دقيقة.
غير أن الإقرار بإمكانية وجود توظيف أو استغلال إعلامي وسياسي للظاهرة لا يجب أن يُستخدم بدوره كذريعة لتبرئة السياسات العمومية من مسؤوليتها المباشرة في تغذية أسباب الهجرة غير النظامية.
التوظيف السياسي، إن وُجد، يستثمر في أزمة حقيقية وقائمة، ولا يخترعها من العدم.
في النهاية، يبقى الرهان الحقيقي هو القدرة على مقاربة هذه الظاهرة بمسؤولية مزدوجة: مسؤولية الدولة في مساءلة سياساتها التنموية والاجتماعية التي أنتجت هذا اليأس الجماعي لدى شريحة واسعة من الشباب، ومسؤولية الفاعلين الإعلاميين والسياسيين، داخليا وخارجيا، في عدم تحويل معاناة إنسانية حقيقية إلى مادة للتوظيف الرخيص.
أما الشباب الذين يخوضون البحر بحثا عن أفق، فلن يتوقفوا عن المحاولة ما لم يجدوا في بلدهم ما يستحق البقاء من أجله.















