قبل أسابيع، أثارت مقالات نشرتها جريدة لوموند الفرنسية حول المغرب ردودًا رسمية غاضبة. اتهامات بالجملة، وبلاغات تندد بـ”الافتراء” و”الكلام السوقي”، كأن الصحيفة اخترعت من العدم أزمة حرية التعبير في البلاد.
لكن السؤال الذي يُفترض أن يُطرح ببرودة أعصاب هو: هل لوموند مسؤولة عن هشاشة الساحة الإعلامية المغربية، أم أن هذه الهشاشة صُنع محلي بامتياز؟
المخزن.. من فرّغ الساحة؟
لأكثر من عقدين، لم تتوقف السلطة عن محاصرة الصحافة المغربية الحرة. صحافيون أُنهكوا بمحاكمات لا تنتهي، وغرامات باهظة، وتهديدات مباشرة وغير مباشرة. الأصوات المهنية النزيهة إما صمتت، أو نُفيت، أو اختارت السلامة عبر الانسحاب الطوعي. في المقابل، ازدهرت صحافة “التبوليس والتشهير”، تنشر دون مساءلة، وتخوض في الحياة الشخصية تحت غطاء الولاء.
بهذه السياسات، جرى تفريغ الساحة من الصحافة التي يمكن أن تمارس الرقابة والمساءلة من الداخل، وترك الباب مفتوحًا أمام منابر أجنبية لتملأ الفراغ – كلٌّ وفق زاويته ومصالحه.
لوموند.. ليست فوق النقد
صحيح أن لوموند تمثل تقليدًا عريقًا في الصحافة الاستقصائية، لكنها ليست منزهة عن الانزلاق المهني والأخلاقي.
الصحيفة سبق أن ارتكبت تجاوزات، ليس فقط تجاه المغرب بل تجاه قضايا دولية أخرى، وتعرضت غير ما مرة لانتقادات بشأن دقة مصادرها أو انحيازاتها.
ويكفي أن نُذكر بدعوى الملك الراحل الحسن الثاني ضد لوموند سنة 1997، والتي ربحها رمزيًا، حين قضت المحكمة بتغريم الصحيفة فرنكًا واحدًا.
لم تكن الدعوى استعراضية بقدر ما كانت رسالة بأن الصحافة، مهما بلغت مكانتها، ليست فوق القانون أو المراجعة.
مفارقة الحسن الثاني والصحافة الفرنسية
لكن المفارقة اللافتة أن الحسن الثاني، ذاته، كان يولي الصحافة الفرنسية وزنًا استثنائيًا.
كثير من الأخبار المهمة – السياسية وحتى الاجتماعية – كانت تنشر أولًا في صحف باريس، وليس في الرباط أو الدار البيضاء.
الصحافة الوطنية كانت مهمشة، محرومة من الحوارات الملكية، لا تُعامل كمؤسسة، بل كمجرد هوامش شكلية.
هذا الإرث ساهم في تعزيز عقدة “الصحافة الأجنبية مرآتنا أمام العالم”، وعمّق الفجوة بين الداخل والخارج، حتى صار الرأي العام المحلي يقرأ عن بلده في صحف غير بلده.
لوموند ليست ملاكًا ولا شيطانًا، بل صحيفة تسعى – بطريقتها – لممارسة حقها في التحقيق والنشر. الخطأ لا يكمن في انتقادها، بل في أن الرد الرسمي عليها يأتي من سلطة قتلت الصحافة الوطنية عمدًا، ثم استغربت حين تكلم الآخرون باسمنا.
من لا يمنح صحافته حرية التعبير، لا يملك الحق الأخلاقي في محاكمة صحافة الآخرين.















