* عبد الله مولود
في ظل التصعيد العسكري غير المسبوق بين إيران وإسرائيل والذي زاده الهجوم الأمريكي على مواقع البرنامج النووي الإيراني تعقيداً، ومع الاستمرار في مناصرة المقاومة في فلسطين المحتلة، تنشغل الساحة الموريتانية بمتابعة تطورات المواجهة المفتوحة التي يصفها محللون بأنها الأخطر في تاريخ الصراع الإقليمي.
وبينما تواصل إسرائيل قصف أهداف داخل إيران، وتردّ طهران بقصف مدن ومنشآت عسكرية في العمق الإسرائيلي، وفيما تدخلت الولايات المتحدة بقصف مواقع إيرانية، تتبلور في موريتانيا قراءات لافتة تسعى إلى استكشاف دلالات هذا الاشتباك غير التقليدي، وتداعياته على التوازنات الإقليمية والدولية.
محللوهم يتحدثون عن توازن رعب وعن صلابة طهران وسيناريوهات مفتوحة
وفي تحليل تابعه الكثيرون، رأى الدكتور أبو العباس إبرهام، الأكاديمي والباحث الموريتاني المقيم في الولايات المتحدة وأستاذ مساعد في جامعة لويزيانا في لافاييت، أن «الولايات المتحدة قد تكون بصدد إعداد خطة خروج شاملة من هذا التصعيد، في ظل غياب خطة مماثلة لدى إسرائيل»، محذرًا من أن «السلام الذي قد تعلنه واشنطن بعد ضرب المفاعلات النووية الإيرانية، سيكون في الواقع محاولة لإنهاء حرب استنزاف لم تُحرز فيها إسرائيل تقدمًا يُذكر».
وحسب تحليله، فإن فشل إسرائيل في تحقيق أهدافها الاستراتيجية – والمتمثلة في تدمير البنية النووية الإيرانية، وإنهاء قدرة طهران الصاروخية، وإسقاط نظام ولاية الفقيه – يكشف عن حدود القوة العسكرية التقليدية أمام دولة استطاعت امتصاص الضربة الأولى، واستعادت زمام المبادرة في فترة زمنية قياسية.
ويضيف إبرهام: «إذا اختارت إسرائيل الاكتفاء بالدور الأمريكي والتراجع نحو التهدئة، فذلك يعني تكريسًا لما يمكن تسميته بـ»توازن رعب» جديد في المنطقة، حيث تنتصر المقاومة بمجرد البقاء، بينما تنهزم القوى المهاجمة حين تفشل في كسر إرادة الطرف الآخر».
وفي تحليل آخر، أشاد المفكر الإسلامي الموريتاني محمد جميل منصور بما وصفه بـ»صلابة الموقف الإيراني»، مشيرًا إلى أن طهران، بغض النظر عن مسار ما بعد العدوان، أثبتت قدرة على التضحية وتحمّل الكلفة الاستراتيجية للردع، ما يعزز مكانتها في معادلة القوة الإقليمية.
أما المحلل السياسي البارز محمد الراظي، فيدعو إلى قراءة الحرب من زاوية المصلحة الجيوسياسية المباشرة للعرب والمسلمين. ويطرح سؤالاً استراتيجياً: «من الأكثر خطورة إذا انتصر: إيران أم إسرائيل؟»، مضيفًا أن من شأن سقوط النظام الإيراني أن يعيد الشاهنشاهية المتحالفة مع المشروع الأميركي الإسرائيلي إلى السلطة، ما يفتح الباب، حسب رأيه، أمام مشروع إقليمي تقوده تل أبيب وتدعمه واشنطن لتفكيك ما تبقى من توازنات في العالم الإسلامي.
وحذر الراظي من أن انتصار إسرائيل سيعني إحكام قبضتها على المنطقة، وربما الانتقال لاحقًا نحو الضغط على باكستان وتجريدها من قدراتها النووية، ثم استهداف تركيا ومصر لاحقًا، في محاولة لفرض أحادية قطبية على المنطقة تتجاوز حتى مرحلة ما بعد «الربيع العربي». وفي المقابل، يرى الراظي أن فشل إسرائيل، وهي دولة «مجهريّة من حيث المساحة»، في هزيمة إيران، قد يُفقدها ما تبقى من هيبة ردعية، ويمنح إيران المتحالفة ضمن منظومة «بريكس»، غطاءً سياسيًا لمواصلة برنامجها النووي والدفاع عن مشروعها الإقليمي.
وفي رسالة مفتوحة قوية اللهجة، وجّه السيد ولد الغيلاني، الرئيس السابق للمحكمة العليا في موريتانيا وعضو الهيئة القضائية لاتحاد المغرب العربي، تحذيرًا شديدًا إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من مغبة أي تدخل عسكري أمريكي، مباشر أو غير مباشر، إلى جانب إسرائيل في عدوانها المستمر على إيران. واعتبر ولد الغيلاني أن أي دعم من هذا النوع سيقود إلى «شرخ عميق ودائم» بين الولايات المتحدة والعالمين العربي والإسلامي، اللذين «أنهكتهما عقود من الحروب والتهميش والاستعمار والخذلان».
وحذر القاضي البارز من أن الانخراط في هجوم غير مشروع على دولة ذات سيادة مثل إيران، دون أي تفويض من مجلس الأمن الدولي، يشكل «خرقًا جسيمًا لميثاق الأمم المتحدة»، ويضعف ما تبقى من شرعية أخلاقية وقانونية للولايات المتحدة على الصعيدين المحلي والدولي.
كما أكد أن هذا التوجه سيقوّض سمعة واشنطن كقوة دولية تدّعي حماية القانون والسلام، ويدفع الشعوب نحو مزيد من الغضب والاحتقان، ويغذي التطرف، ويعزز المشاعر المعادية للغرب في مجتمعات تعاني أصلًا من مشاعر الإذلال والإقصاء.















