لم تعد الخسائر المالية التي تثقل كاهل مؤسسات الإعلام العمومي بالمغرب مجرد أرقام عابرة في تقارير مالية أو تفاصيل تقنية ضمن وثائق مشروع قانون المالية، بل أصبحت مدخلاً مشروعاً لطرح سؤال جوهري طال انتظاره:
أين تذهب الموارد العمومية التي تُضخ في هذه المؤسسات؟ ولماذا لا ينعكس حجم الإنفاق والدعم المالي، بصورة ملموسة، على جودة المنتوج الإعلامي، ورضا المشاهد المغربي، واستقرار الأوضاع المهنية والاجتماعية للعاملين في القطاع؟
فحين تكشف المعطيات المالية المتعلقة بسنة 2025 عن خسائر صافية مجمعة للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة وشركة «صورياد دوزيم» تناهز 487 مليون درهم، أي ما يقارب 49 مليار سنتيم، فإن الأمر يتجاوز حدود العجز المحاسباتي ليضع نموذج تدبير الإعلام العمومي برمته أمام اختبار حقيقي للمسؤولية والنجاعة والشفافية.
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح ليس فقط لماذا تخسر هذه المؤسسات، بل لماذا تستمر الاختلالات رغم سنوات طويلة من الدعم العمومي، وبرامج إعادة الهيكلة، والحديث المتكرر عن التحديث والتطوير والتحول الرقمي؟
العرايشي.. أكثر من ربع قرن على رأس المؤسسة، فأين الحصيلة؟
يصعب اليوم مناقشة واقع الإعلام العمومي المغربي دون التوقف عند مرحلة التدبير التي ارتبطت بفيصل العرايشي، الذي تولى مسؤوليات قيادية في القطاع منذ نهاية التسعينيات، واستمر اسمه في قلب منظومة تدبيره لعقود.
إن طول مدة المسؤولية، في حد ذاته، لا يشكل دليلاً على الفشل، كما أن استمرار المسؤول في منصبه لا يعفيه من التقييم. لكن عندما تتراكم الأسئلة بشأن المردودية المالية، وجودة البرامج، وفعالية الحكامة، وظروف العمل، يصبح من المشروع مطالبة المسؤول الأول عن المؤسسة بتقديم حصيلة واضحة، مدعومة بالأرقام والنتائج، بدل الاكتفاء بتعداد المشاريع والمبادرات والاستثمارات.
فالمسؤولية عن تدبير مؤسسة عمومية لا تُقاس بعدد السنوات التي قضاها المسؤول على رأسها، ولا بحجم الميزانيات التي مرّت عبرها، وإنما بما تحقق من نتائج، وما عُولج من اختلالات، وما أُنجز لفائدة المواطن والمرفق العمومي.
وعلى امتداد هذه المرحلة، تعاقب مسؤولون ومديرون على تدبير وحدات ومؤسسات تابعة للقطاع، في إطار منظومة إدارية تتطلب بدورها قواعد واضحة للتعيين والتقييم وربط استمرار المسؤولية بتحقيق الأهداف. ومن هنا يبرز سؤال المساءلة المؤسساتية: هل خضعت الحصيلة التراكمية لهذه التعيينات والتغييرات لتقييم مستقل وشفاف؟ وهل جرى تحديد المسؤوليات بشأن الاختلالات التي يُحتمل استمرارها أو تجددها رغم تغيير المسؤولين؟
إن المطلوب ليس إصدار أحكام مسبقة على الأشخاص، بل وضع التدبير برمته أمام امتحان المحاسبة، وتحديد من اتخذ القرارات، ومن نفذها، ومن راقب نتائجها، ومن يتحمل مسؤولية الإخفاقات المفترضة في حال ثبوتها.
487 مليون درهم من الخسائر.. أرقام لا يجوز أن تمر مرور الكرام
وفق المعطيات المالية الواردة في النص المتعلق بمشروع قانون المالية، سجلت الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة خسائر صافية بلغت 131 مليون درهم، فيما بلغت خسائر «صورياد دوزيم» 356 مليون درهم. وبذلك يصل مجموع الخسائر الصافية للمؤسستين إلى 487 مليون درهم خلال سنة واحدة.
صحيح أن الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة خفضت خسائرها الصافية مقارنة بسنوات سابقة، لكن هذه النتيجة لا تحجب استمرار عجز الاستغلال الذي بلغ 303,2 ملايين درهم. أما دوزيم، فرغم حضورها القوي في السوق الإعلانية، فقد سجلت بدورها عجزاً تشغيلياً قدره 303 ملايين درهم وخسائر صافية بلغت 356 مليون درهم.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق المساءلة: كيف يمكن لمؤسسات إعلامية تستفيد من الموارد العمومية، وتتوفر على بنيات إنتاج وبث وتوزيع، وتستقطب ملايين المشاهدين ومستخدمي المنصات الرقمية، أن تستمر في تسجيل مثل هذه النتائج المالية السلبية؟
لا يكفي أن يُعزى العجز إلى التحولات التي يعرفها سوق الإشهار، أو ارتفاع تكاليف الإنتاج، أو المنافسة الرقمية. فهذه عوامل معروفة تواجه مؤسسات إعلامية في مختلف أنحاء العالم، لكنها لا تعفي المسؤولين من واجب تقديم تفسير دقيق لبنية النفقات، وكلفة الإنتاج، وفعالية الاستثمارات، ومردودية الموارد المتاحة.
إن الخسارة المالية ليست، في جميع الحالات، دليلاً قاطعاً على سوء التدبير، خصوصاً في الإعلام العمومي الذي يؤدي مهام ثقافية وتربوية وإخبارية لا تخضع كلها لمنطق الربح. لكن استمرار الخسائر يفرض التمييز بين كلفة الخدمة العمومية المبررة وبين النفقات غير الفعالة، وبين الاستثمار الضروري وبين الاختلالات التي يمكن تفاديها.
المطلوب، إذن، ليس محاسبة المؤسسات على الخسارة وحدها، بل مساءلة التدبير عن أسبابها، وعلى القرارات التي أدت إليها، وعلى مدى اتخاذ إجراءات واقعية لتصحيحها.
ميزانيات أكبر.. لكن أين التطور الذي يلمسه المواطن؟
المشكلة الأعمق لا تتعلق بالأرقام وحدها، وإنما بالفجوة التي يلمسها جزء من الجمهور بين حجم الموارد التي تُعبأ للإعلام العمومي وبين تطلعاته إلى خدمة إعلامية أكثر جودة وابتكاراً وتنوعاً.
فقد شهد القطاع استثمارات في المعدات السمعية البصرية والبث والتجهيزات المعلوماتية، كما توسع حضور القنوات العمومية على المنصات الرقمية. غير أن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: ما الأثر الفعلي لهذه الاستثمارات على جودة الصورة والصوت، وتجديد الصيغ البرامجية، وتطوير المحتوى الوثائقي والثقافي، وتحسين التغطية الإخبارية، والقدرة على استقطاب الشباب؟
إن امتلاك أحدث المعدات لا يعني بالضرورة امتلاك رؤية إعلامية متجددة. وتوسيع الحضور على «يوتيوب» لا يكفي وحده لإثبات نجاح التحول الرقمي، ما لم يقترن ذلك بتطوير نموذج اقتصادي واضح، وتحسين جودة المحتوى، وبناء علاقة ثقة مستدامة مع الجمهور.
وفي الوقت الذي تتطور فيه المنصات الرقمية بوتيرة متسارعة، وتشتد المنافسة على انتباه المشاهد المغربي، يظل من المشروع التساؤل عن مدى قدرة البرامج العمومية على مواكبة التحولات الاجتماعية والثقافية، وتقديم مضامين تستجيب لانتظارات الجمهور، بدل الاكتفاء باستمرار الشبكات البرامجية والصيغ التقليدية.
كما أن الانتقادات التي يوجهها مشاهدون إلى بعض البرامج، وما يُعبَّر عنه من عدم الرضا عن مستوى عدد من الإنتاجات، يستدعيان وجود آليات منتظمة لقياس رضا الجمهور، ونشر نتائجها، وربطها بقرارات التطوير والتجديد.
فالمشاهد ليس مجرد رقم في نسب المتابعة، بل هو المواطن الذي تبرر خدمته جزءاً أساسياً من وجود الإعلام العمومي.
غضب المنتجين والعاملين.. الأزمة ليست مالية فقط
إذا كانت المؤشرات المالية تكشف جانباً من الأزمة، فإن الوجه الآخر يرتبط بالأوضاع المهنية والتنظيمية داخل مؤسسات القطاع.
فالتدبير الإعلامي الناجح لا يُقاس فقط بحجم الإنتاجات التي تُبث، بل كذلك بمدى احترام قواعد التعاقد، ووضوح مساطر طلبات العروض، وعدالة التعامل مع المنتجين، وجودة العلاقة بين الإدارة والموارد البشرية، وتوفير شروط العمل اللائق والاستقرار المهني.
وقد عبّر مهنيون ونتجون وعاملون ونقابيون في مناسبات مختلفة عن ملاحظاتهم بشأن بعض جوانب تدبير القطاع، وعن مطالب تتصل بتحسين الأوضاع المهنية والاجتماعية وتطوير آليات الحوار والتفاوض. وتستحق هذه المطالب أن تُناقش على أساس الوقائع والوثائق، لا أن تُختزل في خلافات ظرفية أو يُلجأ فيها إلى التجاهل الإداري.
ومن بين الملفات التي قد تستوجب التدقيق المستمر، مدى شفافية مساطر إسناد الإنتاجات، ومعايير تقييم المشاريع، وآليات مراقبة تنفيذ العقود، وكيفية ضمان تكافؤ الفرص بين المتنافسين. كما تظل الحاجة قائمة إلى توضيح مساطر تدبير الموارد البشرية، ومعايير الترقية والتكليف بالمسؤوليات، وفعالية الحوار الاجتماعي داخل المؤسسات.
أما ما يُثار أحياناً بشأن تضارب المصالح أو ضعف الرقابة، فينبغي التعامل معه بجدية مؤسساتية تضمن التحقق من الوثائق والمستندات بموضوعية تامة.
فالمؤسسة العمومية التي تريد استعادة الثقة لا ينبغي أن تخشى الأسئلة المهنية أو النقد النقابي؛ بل يُفترض أن تجعل من الحوار والشفافية وتكافؤ الفرص أدوات لتصحيح الاختلالات وتحسين الأداء.
ولا يمكن بناء إعلام عمومي قوي بموارد بشرية تشعر بالتهميش، أو بمنتجين لا يجدون وضوحاً كافياً في قواعد التعامل، أو بحوار اجتماعي لا يفضي إلى نتائج ملموسة. فالعاملون ليسوا تفصيلاً ثانوياً في معادلة الإصلاح، وإنما يشكلون أحد شروط نجاحه.
إنقاذ دوزيم بالرسملة.. حل مالي أم تأجيل للمشكلة؟
من أكثر المؤشرات التي تستدعي التوقف عندها رفع رأسمال «صورياد دوزيم»، عبر تحويل ديون مستحقة للدولة إلى رأسمال، إلى جانب تعبئة تسبيقات في الحسابات الجارية للشركاء، وفق الأرقام الواردة في المعطيات المقدمة.
قد تكون هذه العمليات ضرورية لإعادة هيكلة الوضع المالي للمؤسسة، وتخفيف أعباء الديون، وضمان استمرار نشاطها. لكن تحويل الديون إلى رأسمال لا يساوي تلقائياً إصلاحاً اقتصادياً مستداماً، كما أن ضخ موارد إضافية لا يضمن وحده إنهاء العجز.
فإذا لم تترافق الرسملة مع خطة واضحة لتصحيح الاختلالات التشغيلية، وضبط النفقات، وتحسين المداخيل، وتطوير المنتوج الإعلامي، فإن خطر استمرار الحاجة إلى دعم إضافي سيظل قائماً.
والسؤال هنا ليس الاعتراض بالمطلق على دعم قناة عمومية، بل المطالبة بمعرفة شروط هذا الإنقاذ: ما الأهداف المحددة؟ ما الجدول الزمني لتحقيق التوازن؟ ما المؤشرات المعتمدة لقياس النجاح؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا لم تتحقق النتائج المعلنة؟
إن المال العمومي لا ينبغي أن يتحول إلى مورد يُعبأ كلما اشتدت الأزمة، من دون تقييم دقيق لمدى نجاعة التدخلات السابقة. فكل عملية إعادة رسملة أو دعم استثنائي يجب أن تكون مناسبة لفتح صفحة جديدة في التدبير، لا مجرد محطة إضافية في مسلسل معالجة النتائج دون معالجة الأسباب.
الهولدينغ الإعلامي.. إعادة هيكلة أم تغيير في الشكل فقط؟
يأتي هذا الوضع المالي في سياق إعادة تنظيم القطب السمعي البصري العمومي، وتوسيع دور الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة في تجميع مكونات القطاع، بما فيها انتقال مساهمات الدولة في رأسمال «صورياد دوزيم» إليها، وفق المعطيات المشار إليها.
ومن حيث المبدأ، يمكن أن تتيح الهيكلة الجديدة فرصاً لتوحيد الموارد، وتنسيق الاستثمارات، وتقليص التكرار في بعض الخدمات، وتحسين القدرة التفاوضية والتجارية، وتطوير الإنتاج المشترك.
لكن نجاح أي تحول نحو نموذج الشركة القابضة لا يُقاس بتغيير الهيكل القانوني أو نقل الأسهم وحدهما، بل يتوقف على وضوح توزيع الصلاحيات، واستقلالية القرارات التحريرية، وشفافية الحكامة، وتحديد مسؤوليات مجالس الإدارة والمديرين، وإخضاع النتائج المالية والتشغيلية لمؤشرات قابلة للقياس.
كما ينبغي أن يرافق هذا التحول تقييم حقيقي لكلفة الإدماج ومخاطره وانعكاساته على العاملين، وعلى التعددية الإعلامية، وعلى جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
فإذا انتقلت المؤسسات من وضعية مالية صعبة إلى هيكل تنظيمي أكثر مركزية من دون إصلاح عميق لآليات التدبير والمراقبة، فإن المشكلة قد تنتقل من مؤسسة إلى أخرى، بدل أن تجد طريقها إلى الحل.
والأخطر أن تتحول إعادة الهيكلة إلى مجرد تغيير في الهندسة الإدارية، بينما تستمر الأسئلة نفسها حول المردودية والشفافية وتقييم المسؤولين.
ربط المسؤولية بالمحاسبة.. من الشعار الدستوري إلى الممارسة الفعلية
ينص الفصل الأول من دستور المملكة المغربية على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. وهذا المبدأ ليس شعاراً سياسياً للاستهلاك، بل قاعدة مؤسساتية تقتضي أن تكون ممارسة السلطة والمسؤولية مرتبطة بالتقييم والرقابة وتحمل تبعات القرارات وفق القانون.
وفي حالة الإعلام العمومي، تكتسب هذه القاعدة أهمية مضاعفة، لأن الأمر يتعلق بمؤسسات تؤدي خدمة عمومية، وتدبر موارد وأصولاً عمومية، وتؤثر في حق المواطنين في الإعلام والمعلومة والثقافة.
ومن ثم، فإن المطالبة بالمحاسبة لا تعني إصدار أحكام مسبقة على الأشخاص أو المسؤولين، ولا تعني افتراض مخالفات لم تثبتها الجهات المختصة، وإنما تعني إخضاع حصيلة التدبير، مهما طال زمنه، لتقييم جدي وموضوعي، وتحديد المسؤوليات على أساس الاختصاصات والقرارات والنتائج المثبتة.
وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى افتحاص مستقل لبنية النفقات والمداخيل، وتقييم مردودية الاستثمارات، وفحص أسباب العجز المتكرر، والتحقق من مدى احترام قواعد الصفقات والتعاقد وتدبير الموارد البشرية، مع نشر النتائج بالقدر الذي يسمح به القانون.
كما يتعين تحديد أهداف واضحة وقابلة للقياس لكل مسؤول، وربط تقييم الأداء بمدى تحقيقها، وإعمال المساطر القانونية عند ثبوت الإخلالات -لا قدر الله- مع ضمان حقوق الدفاع والقرينة القانونية الواجبة.
فلا معنى لتغيير المديرين إذا لم تُراجع آليات تعيينهم وتقييمهم ومراقبة أدائهم، ولا جدوى من إعلان إصلاحات جديدة إذا لم تُحدد المسؤوليات عن نتائج الإصلاحات السابقة.
متى يتغير النموذج التدبيري؟ ومتى يستعيد الإعلام العمومي ثقة المغاربة؟
إن استمرار الخسائر المالية، والانتقادات المتعلقة بجودة البرامج، والمطالب المهنية والنقابية، والأسئلة المرتبطة بالحكامة، كلها ملفات تستدعي جواباً مؤسساتياً واضحاً، لا الاكتفاء بتفسيرات عامة أو وعود مستقبلية.
والمطلوب اليوم ليس اختزال الأزمة في شخص واحد، كما لا يجوز إعفاء المسؤولين من التقييم بسبب تعقيد القطاع أو طبيعة مهامه العمومية. المطلوب هو تحديد المسؤوليات بدقة، ومحاسبة كل مسؤول في حدود اختصاصه، ومراجعة النموذج التدبيري إذا أظهرت المؤشرات أنه لا يحقق الأهداف المطلوبة.
ومن حق المغاربة أن يعرفوا كيف تُصرف الأموال المخصصة لإعلامهم العمومي، وما النتائج التي تتحقق مقابلها. ومن حق العاملين أن يطالبوا بيئة مهنية عادلة ومستقرة. ومن حق المنتجين أن يطالبوا بقواعد شفافة وتنافسية. ومن حق النقابات أن تمارس دورها الرقابي والترافعي.
أما المسؤولون عن تدبير هذه المؤسسات، فعليهم أن يقدموا حصيلة واضحة تتجاوز لغة المشاريع والأرقام الإجمالية، لتجيب عن الأسئلة المرتبطة بالمردودية والجودة والحكامة والموارد البشرية.
فالإعلام العمومي ليس ملكاً إدارياً لهذا المسؤول أو ذاك، ولسنا بصدد تدبير مفتوح المدة بلا تقييم؛ إنه مرفق عمومي يجب أن يخضع للمساءلة، وأن تُقاس نجاعته بما يقدمه للمواطن، وبما يحققه من نتائج، وبمدى احترامه للقانون وقواعد الحكامة الجيدة.
أمام هذه المؤشرات، تبرز أسئلة لا يمكن تجاوزها:
-
ما الأسباب التفصيلية لاستمرار الخسائر الصافية وعجز الاستغلال في المؤسستين، وما الإجراءات التي اتخذت لمعالجة جذورها؟
-
ما النتائج التي حققتها الميزانيات والاستثمارات العمومية المتراكمة خلال مرحلة التدبير الممتدة لأكثر من ربع قرن؟
-
هل توجد تقارير افتحاص وتقييم منشورة بشأن مردودية البرامج والإنتاجات والصفقات والاستثمارات؟ وما أبرز خلاصاتها؟
-
ما المعايير المعتمدة لتعيين المسؤولين والمديرين وتقييم أدائهم، وكيف تُحدد المسؤولية عند عدم بلوغ الأهداف؟
-
ما التدابير المتخذة لضمان شفافية التعامل مع المنتجين، وتحسين الأوضاع المهنية والاجتماعية للعاملين، وتفعيل الحوار مع النقابات؟
-
ما الضمانات التي سترافق إعادة هيكلة القطب العمومي حتى لا تتحول الرسملة وتجميع المؤسسات إلى معالجة شكلية للأزمة؟
-
وما الجدول الزمني المعلن لتحقيق توازن مالي مستدام، وتحسين جودة المحتوى، وتعزيز ثقة الجمهور؟
إن طرح هذه الأسئلة لا يستهدف شخصاً لذاته، بل يدافع عن حق المجتمع في معرفة حصيلة تدبير مرفق عمومي حيوي.
الخلاصة أن الأزمة لم تعد تحتمل الاكتفاء بتدبير العجز، بل تستدعي تقييماً شاملاً للتدبير نفسه. فبعد سنوات طويلة من المسؤولية، يصبح تقديم الحصيلة واجباً مؤسساتياً، وتصبح المحاسبة القانونية والإدارية، عند ثبوت موجباتها، شرطاً أساسياً لاستعادة الثقة.
والسؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحاً أمام الحكومة والجهات الرقابية ومجالس الإدارة والرأي العام هو: متى تتحول الأرقام الواردة في التقارير المالية إلى قرارات فعلية للإصلاح والمساءلة؟ ومتى يصبح ربط المسؤولية بالمحاسبة ممارسة ملموسة داخل الإعلام العمومي، لا مجرد مبدأ دستوري جميل في النصوص؟














