في الوقت الذي يحتفل فيه المغرب كل سنة بذكرى المسيرة الخضراء وعيد الاستقلال، وتُرفع فيه الأعلام وتُتلى فيه آيات الوفاء لروح الشهداء، يبقى صوت فئة صامتة يعلو من خلف جدران النسيان: أبناء وبنات شهداء الواجب الوطني الذين سقطوا دفاعا عن حوزة الوطن.
هؤلاء الأبناء لم يختاروا اليتم. لم يختاروا أن يكبروا بدون أب ضحى بروحه في الصحراء المغربية، في الحدود، في مواجهة أعداء الوحدة الترابية. قدم آباؤهم أغلى ما يملكون: الحياة. فماذا قدمت لهم الدولة مقابل ذلك؟
المطلب الأساسي: مراسلة رئاسة الحكومة لجميع الولايات والعمالات للإدماج المباشر
المطلب الأول والمركزي الذي يرفعه أبناء الشهداء اليوم وتمثيلياتهم واضح ولا يحتمل التأجيل:
إصدار مراسلة من رئاسة الحكومة إلى جميع ولاة وعمال أقاليم المملكة، قصد تفعيل آلية الإدماج المباشر لأبناء وبنات شهداء الوحدة الترابية في الوظيفة العمومية والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية.
لماذا الآن؟
لأن الغالبية الساحقة من أبناء وبنات هؤلاء الأبطال تجاوزوا اليوم سن الأربعين. أُغلقت في وجوههم أبواب مباريات التوظيف بسبب شرط السن. كبروا وهم ينتظرون “التفاتة الدولة”، وتخرج كثير منهم من الجامعات والمعاهد، لكن دون أفق واضح.
اليوم لم يعد منطق “المباراة المفتوحة للجميع” منصفا لفئة قدمت ثمنا لا يمكن تعويضه بالمسابقات.
المراسلة الحكومية الشاملة ستكون اعترافا رسميا بأن هؤلاء ليسوا مواطنين عاديين، بل هم أصحاب حق تاريخي وأولوية وطنية. دول كثيرة سبقتنا في هذا النهج: تخصيص نسبة أو مسار خاص لأبناء الشهداء تقديرا لتضحيات الآباء.
البديل: دخل شهري قار ورخص تخرجهم من دائرة التهميش
في حال تعذر الإدماج الفوري بسبب الخصاص في المناصب، فإن المطلب الثاني لا يقل أهمية:
تمتيع أبناء وبنات الشهداء بدخل شهري قار محترم، أو بتمكينهم من رخص ومأذونيات في النقل، الصيد، التجارة، وغيرها من الأنشطة المدرة للدخل.
هذا ليس “صدقة”. هذا رد اعتبار.
كيف نطلب من ابن شهيد سقط في معركة أمكالا أو في الصحراء أن يبقى عاطلا أو يشتغل في الهامش، بينما الدولة تمنح امتيازات لقطاعات أخرى؟
رخصة نقل، مأذونية، أو منحة شهرية تتناسب مع حجم التضحية، هي أقل ما يمكن أن يقال عنه “إنصاف”. بها يخرج هؤلاء من دائرة التهميش والهشاشة التي يعيشها الكثير منهم اليوم، وبها نرسل رسالة للأجيال القادمة: الوطن لا ينسى من ضحوا من أجله.
لماذا هذا المطلب اليوم؟
- رد الدين: تضحية الأب لا يجب أن تتحول إلى عقوبة للأبناء.
- حفظ كرامة الأسرة: كثير من الأرامل والأبناء يعيشون أوضاعا اجتماعية صعبة.
- ترسيخ قيم المواطنة: حين يرى الشاب أن الدولة تقف مع أبناء الشهداء، سيزداد تشبثه بالوطن والوحدة الترابية.
اليوم، وبعد مرور عقود على بداية النزاع، لا يليق أن يبقى أبناء الشهداء يطرقون الأبواب فردا فردا. الحل يجب أن يكون مؤسساتيا، واضحا، وشاملا.
الوطن الذي نريده هو وطن يرد الجميل. ورد الجميل لأبناء الشهداء يبدأ بقرار سياسي جريء: الإدماج أو الإنصاف المادي. غير ذلك سيبقى مجرد كلام في المناسبات.















