تقدم أنوار قورية، خبير في الذكاء الترابي والحكامة الرقمية بفرنسا، بملتمس استثنائي إلى وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، طالب فيه بإعادة فتح باب التسجيل في اللوائح الانتخابية لمدة أسبوع واحد لفائدة مغاربة العالم.
الطلب يبدو في ظاهره وطنياً للغاية، بل حقاً مشروعاً لمغاربة العالم. وقد يرى من يقرأ الخبر أنهم أخيراً نظروا بعين الرحمة لبلادهم، وقرروا استثمار كفاءاتهم للنهوض بالسياسة الداخلية للبلاد والمشاركة في تسيير الشأن العام، بحكم أن أغلبهم من أصحاب التكوين العالي.
لكن قبل أن نخوض في واقعية المشهد، يجب أن نشير إلى أن أعداد مغاربة العالم لا يتجاوز عددهم 6 ملايين مهاجر في أحسن التوقعات. أما رسمياً، وحسب التقارير الرسمية الصادرة عن المجلس الاقتصادي والائتماني والبيئي (CESE) ووزارة الشؤون الخارجية، فيبلغ عدد المغاربة المسجلين رسمياً لدى شبكة القنصليات المغربية عبر العالم حوالي 5.1 مليون شخص.
كما تجدر الإشارة إلى أن لا وجود لأي إحصائيات رسمية أو حتى دراسات تبين عدد المشاركين منهم في عمليات الاقتراع. فمثلاً، في آخر انتخابات أجريت في المغرب سنة 2021، لم يلج منهم إلى التراب الوطني سوى 1.4 إلى 1.5 مليون مغربي حسب معطيات عملية مرحبا 2021. وهل شاركوا كلهم في عملية التصويت؟ لا جواب ولا إحصائيات تحدد هذا الشق، لأن أصوات هؤلاء تذوب في صناديق الاقتراع، والقانون يعتبرهم مغاربة كباقي المواطنين، ولا يميز بينهم وبين أي مواطن آخر مستقر في بلده.
أما من لم يدخلوا المغرب حينها بسبب كورونا، فقد حرموا من التصويت بالقنصليات لأن المغرب لم يفتح ذاك الباب لأسباب تقنية كما قيل. فالقانون واضح في هذا الشق، التصويت يكون بحضور شخصي لمكاتب الاقتراع المتواجدة في المغرب، أو يتم عن طريق الوكالة. وحتى أعداد من صوتوا بالوكالة تبقى مجهولة.
هذه الأرقام وضبابية مشاركة مغاربة العالم في أهم حدث سياسي في البلاد، تعكس عدم اهتمامهم بالمشاركة في الفعل السياسي الداخلي، كما تعكس عدم اهتمام السلطات المغربية بمشاركتهم من الأساس. ففي بلد ديمقراطي لا يؤمن إلا بالأغلبية، تبقى 15% التي يمثلها مغاربة العالم من مجموع المغاربة عدداً لا تأثير له على نتائج الاقتراع، حتى إن قدموا وشاركوا كلهم. وهذا أمر لن يحدث أبداً.
ففي المتوسط لا يدخل التراب الوطني كل سنة أكثر من 3 ملايين مغربي، وأغلبهم في العطلة الصيفية، أي حوالي مليوني مغربي من المقيمين في الخارج مقاطعون للبلاد تماماً. طبعاً دون إحتساب المغاربة غير المسجلين في القنصليات والذين اختاروا الاكتفاء بجنسيات البلد الذي يعيشون عليه. أما المهاجرون غير الشرعيين وغير المسجلين بتلك الدول، لا كمقيمين ولا كمجنسين، فلا حديث عليهم ولا نية في إحصائهم، تجنباً لصدمة الهول العددي.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل حقاً مغاربة العالم مهتمون بتدبير الشأن العام المغربي؟ بل هل لهم الاستعداد للمشاركة فيه؟ هذا دون أن نحتاج لسؤال، هل لهم إمكانية ذلك بحكم ظروف أعمالهم وشروط عقودهم الوظيفية ببلدان العالم؟ فمن هو حبيس “عقد عمل” صارم لا يسمح له بمغادرة بلد الإقامة إلا في العطلة الصيفية، هل يقدر على متابعة هموم الناس ومتطلباتهم وهو بعيد عنهم لآلاف الكيلومترات؟ وهل سيقدر على سماع أنين أرض لا يعيش عليها؟
في الوقت الذي يحارب فيه مناضلو المغرب لسلب الجنسية الثانية من السياسيين وأصحاب المناصب والمنتخبين، لتحقيق مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، وإتاحة الفرصة أمام المغاربة الذين يعيشون فقط على التراب المغربي لتسيير شأنه، بحكم أن من يعيش المأساة ليس كمن يسمع عنها عبر مواقع التواصل، ومن ليس له فرصة الهرب عند أول زلة، تكون لنا فرص أكبر في محاسبته إن أجرم في حق الشعب. يطفو على السطح أناس هربوا من مواجهة صعاب البلد للبحث عن “فرص عيش أفضل” بدل صنعها في الداخل، ليطالبوا بحقهم في الكعكة دون تحمل حرارة المطبخ.
نعم، يبدو أن الانتخابات والحقائب السياسية باتت في أعين مغاربة المهجر كعكة يريدون نصيبهم منها، فقط لأنهم “مغاربة”. إن لم نقل مغاربة أسمى وأرقى من مغاربة الداخل، ولهم كل الحق في التعالي وطلب استثناءات تناسب برامجهم الخاصة، بعد كل “التطبال” والنفخ الذي أغرقتهم به الوزارات عبر العقود.
فمن لم يستطع الدخول لبلاده وقت التسجيل في اللوائح الانتخابية، هل سيستطيع الدخول لحضور جمع عام عادي بشكل دوري؟ وحتى إن استطاع، هل سيقدر على الحضور في الأزمات الطارئة التي تأتي بلا سابق إنذار، كالكوارث الطبيعية مثلاً، والتي يحتاج فيها الشعب المغربي لسياسيين يمدون أيدي المساعدة في أحلك الظروف؟
ليبقى السؤال الأكثر حرقة معلقاً، إلى أن يرد وزير الداخلية، هل سيحصر تسيير الشأن العام في العطلة الصيفية، ليعيش الشعب بعطلة انتظار طيلة السنة حتى يأتي المنتخب في عطلته الصيفية ليتصرف في الميزانية ويحل مشاكل الناس؟
وهل نحن مقبلون على مرحلة جديدة في السياسة المغربية عنوانها “تامغرابيت العطلة الصيفية”، أم أن هذا الباب سيفتح المجال للتسيير عن بعد كما حدث مع الاقتراع في آخر مستجداته، لتستبدل المكاتب بواتساب، ويستبدل الواقع المعاش بواقع مشاهد عبر مواقع التواصل؟ وهل حقاً سيصبح المغاربة مستقبلاً تحت رحمة الخوارزميات لإرضاء مغاربة العالم، الذين هربوا من أرضهم في أصعب الأوقات ليعودوا اليوم بعد بهرجة الإنجازات؟
وعن سيرة الإنجازات البراقة، وبعيداً عن المنتجعات السياحية اللامعة، هل يعرف مغاربة العالم الواقع المعاش داخل الأحياء الشعبية والدواوير وأعماق المغرب المنسي؟ أم أن أعينهم لمعت دولارات بعد ما شاهدوه على الشاشات، معتقدين أن الوضع الداخلي بات مليء بفرص الكسب؟
أخيرا، وكي لا أكون عدميا وأسطري جنائزية، أليس أحق بمغاربة العالم بدل أن يطمحوا لمناصب سياسية داخل الوطن أن يعملوا على اقتحام برلمانات وحكومات البلدان التي يعيشون عليها، ليكونوا خير سفراء للمغرب ويدافعوا عنه من على طاولة صناعة القرار بالغرب؟ كما كانت نجاة بلقاسم وزيرة للتعليم بفرنسا، أو كما فعل فؤاد أحيدار أول مغربي مسلم يتقلد منصب نائب رئيس برلمان إقليم بروكسل ببلجيكا؟ والأسماء كثيرة فمغاربة العالم قادرون على مساعدة وطنهم من الخارج دون الطمع إلى كعكة لم تستو بعد.















