يجسد نور الدين الهروشي، المعروف انتخابياً بلقب «المطالسي»، وكيل لائحة حزب الاتحاد الدستوري بدائرة تطوان، نموذجاً معبراً عن التحولات التي عرفتها الخريطة الانتخابية المحلية خلال العقود الأخيرة، حيث تتداخل قوة المرشح الشخصية وشبكاته الاجتماعية والترابية مع قوة الحزب الذي يحمل اسمه.
غير أن قراءة تجربة المطالسي بمعزل عن التاريخ الانتخابي للاتحاد الدستوري في تطوان قد تقود إلى استنتاج ناقص. فالحزب الذي يبدو اليوم محدود الحضور الانتخابي كان، في مرحلة سابقة، أحد أبرز مكونات المشهد السياسي المحلي، خصوصاً خلال الفترة التي ارتبط فيها اسمه بشخصية عبد السلام بركة.
يعود الحضور القوي للاتحاد الدستوري في تطوان إلى مرحلة الثمانينيات والتسعينيات، حين برز عبد السلام بركة باعتباره أحد أهم وجوه الحزب في المدينة. فقد انتُخب بركة نائباً عن دائرة تطوان سنة 1984 باسم الاتحاد الدستوري، قبل أن يتولى مسؤوليات برلمانية وحكومية كما انتُخب رئيساً لبلدية الأزهر والمجموعة الحضرية لتطوان ما بين 1992 و،1997 الأمر الذي جعل الاتحاد الدستوري جزءاً أساسياً من معادلة الخريطة والتوازنات السياسية محليا ووطنيا خلال تلك المرحلة.
شهدت الانتخابات الجماعية ل 13 يونيو (كانت تعتمد اللائحة الفردية) حدثا سياسيا فريدا تمثل في سقوط عبد السلام بركة في دائرته الانتخابية (الخنيوريس) ضد مرشح لامنتمي يدعى عبد السلام فراكة، وكان ذلك بداية مرحلة التفكك التنظيمي والسياسي لحزب الاتحاد الدستوري، وتجسد ذلك في بشكل ساطع في عدة محطات انتخابية كان أبرزها الانتخابات التشريعية ل2016، بحصول مرشحه عن دائرة تطوان ل 79 صوتا.
بالمناسبة، تجدر الإشارة إلى كون الانتخابات الجماعية ل 13 يونيو 1997، سبقت الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 14 نوفمبر 1997 جاءت ضمن سياق تحولات سياسية كان يعيشها المغرب آنذاك والتي انتهت لاحقا بوصول حكومة عبد الرحمن اليوسفي سنة 1998.
المطالسي وعودة الروح؟
بدأ المسار البرلماني للمطالسي مع الاتحاد الدستوري في أبريل2021 قادما من حزب الأصالة والمعاصرة الذي قرر منح التزكية للعربي أحنين، ولم يشفع للمطالسي كونه فاز تحت يافطة البام بأحد المقاعد الخمسة خلال انتخابات 7 أكتوبر 2016 بعدد لايستهان به من الأصوات بلغت 11.792.
نجح الاتحاد الدستوري بزعامة المطالسي خلال انتخابات 8 شتنبر 2021، تمكن الاتحاد الدستوري من الحصول على مقعد برلماني، بحصوله على 5265 صوتاً. لكن تلك الأرقام نفسها تطرح سؤالاً منطقيا: هل كانت نتيجة 2021 انعكاساً لعودة الروح للاتحاد الدستوري كتنظيم، أم أن جزءاً كبيراً من تلك الأرقام كان مرتبطاً بشخص المطالسي وشبكاته الانتخابية؟
الاختبار الأخير
دخل المطالسي انتخابات 23 شتنبر 2026 وهو يحمل تجربة برلمانية سابقة، وكان الاتحاد الدستوري قد جدد ثقته فيه وكيلاً للائحته، مستنداً إلى موقعه التنظيمي ككاتب إقليمي للحزب ونائب الكاتب الجهوي، فضلاً عن عضويته في جماعة تطوان ومجلس الجهة.
يجسد نور الدين المطالسي، وكيل لائحة حزب الاتحاد الدستوري في دائرة تطوان، نموذجاً معبراً عن الطريقة التي تشكلت بها الخريطة الانتخابية المحلية خلال السنوات الأخيرة، حيث تلعب قوة المرشح الشخصية وشبكاته الاجتماعية والترابية دوراً مهماً إلى جانب الانتماء الحزبي.من جهة ثانية ارتبط حضور المطالسي انتخابيا إلى حد كبير بعلاقاته الشخصية في العالم القروي وبعض الجماعات الترابية المجاورة لتطوان، ولا سيما منطقة جبل حبيب والنواحي، حيث تلعب الروابط العائلية والاجتماعية والامتداد الترابي دوراً مهماً في تشكيل السلوك الانتخابي.
ومن هذه الزاوية، شكل الاتحاد الدستوري بالنسبة إلى المطالسي غطاءً حزبياً مرناً سمح له بالاستفادة من شبكات أنصاره ومن حضوره الميداني، دون أن يكون الحزب نفسه بالضرورة هو العامل الحاسم في صناعة تلك القوة الانتخابية.
غير أن انتخابات 23 شتنبر 2026 جرت في سياق مختلف. فقد دخلت الأحزاب الكبرى، وفي مقدمتها التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، المنافسة بقوة أكبر، كما حصل نفس الأمر في المجال الحضري مع عودة العدالة والتنمية إلى المنافسة بقوة، إلى جانب الحزب المغربي الحر وتحالف اليسار والحركة الديمقراطية الاجتماعية وغيرها من القوى والمرشحين، مما جعل تحقيق نتيجة قوية في أحياء مدينة تطوان أكثر أهمية بالنسبة إلى المرشحين الذين كانت قوتهم الانتخابية تميل تاريخياً إلى العالم القروي.
لكن النتيجة الانتخابية جاءت مختلفة هذه المرة، إذ لم يتمكن الاتحاد الدستوري من الحفاظ على المقعد الذي حصل عليه سنة 2021، بحيث جاء المطالسي في المركزالثامن وحصل على 1422 صوتا فقط، بعد أن واجه منافسة قوية وأسماء ذات حضور انتخابي.
يقودنا فشل المطالسي إلى سؤال أوسع يتجاوز شخصه: هل تمكن الاتحاد الدستوري خلال العقود الماضية من بناء قاعدة تنظيمية مستقلة عن النفوذ الشخصي وشبكة علاقات نائبه البرلماني، أم ظل جزء مهم من قوته مرتبطاً بشخصية المرشح أو الزعيم المحلي؟
يجسد نور الدين المطالسي، وكيل لائحة حزب الاتحاد الدستوري في دائرة تطوان، نموذجاً معبراً عن الطريقة التي تشكلت بها الخريطة الانتخابية المحلية خلال السنوات الأخيرة، حيث تلعب قوة المرشح الشخصية وشبكاته الاجتماعية والترابية دوراً مهماً إلى جانب الانتماء الحزبي.من جهة ثانية ارتبط حضور المطالسي انتخابيا إلى حد كبير بعلاقاته الشخصية في العالم القروي وبعض الجماعات الترابية المجاورة لتطوان، ولا سيما منطقة جبل حبيب والنواحي، حيث تلعب الروابط العائلية والاجتماعية والامتداد الترابي دوراً مهماً في تشكيل السلوك الانتخابي.
ومن هذه الزاوية، شكل الاتحاد الدستوري بالنسبة إلى المطالسي غطاءً حزبياً مرناً سمح له بالاستفادة من شبكات أنصاره ومن حضوره الميداني، دون أن يكون الحزب نفسه بالضرورة هو العامل الحاسم في صناعة تلك القوة الانتخابية.
كخلاصة عامة، إذا كانت تجربة بركة قد منحت للاتحاد الدستوري حضوراً قوياً خلال مرحلة معينة، وإذا كانت تجربة المطالسي قد أعادت الحزب إلى البرلمان بعد سنوات من الغياب، فإن خسارة مقعد 2026 تؤكد أن استعادة الموقع الانتخابي بواسطة مرشح قوي لا تعني بالضرورة إعادة بناء الحزب لذاته، لكون الفوز يظل مرتبطا بوجود شخصيات قادرة على توفير حضور انتخابي ومؤسساتي قوي.
ربما تكمن دلالة تجربة المطالسي أن الحزب يحتاج إلى المرشح قوي، لكن هذا الأخير يحتاج بدوره إلى حزب قوي يستثمر ويحول رصيده الشخصي إلى تواجد تنظيمي. وعندما لا يحدث هذا التحول، يصبح الفوز الانتخابي قابلاً لأن يكون مؤقتاً، مهما كانت قوة المرشح وشبكاته.















