في زمن تتشابه فيه الأغاني وتبهت فيه الأحاسيس، يظهر صوتٌ يحمل في نبرته صدق الذاكرة وحرارة الحنين. الفنان محمد سالكي، بصوته الدافئ وكلماته الصادقة يلامس جراح الطفولة ويستدعي “ليام زينة” من عمق الوجدان.
في هذا الحوار الحصري مع “لوبوكلاج”، يأخذنا محمد سالكي في رحلة خلف كواليس أغنيته الجديدة، بين الحنين، الألم، والتحدي… رحلة لا تشبه غيرها، لأنها ببساطة، تشبهنا جميعًا.
عن العمل الفني وفكرته

- بداية محمد، حدثنا عن فكرة أغنية “ليام زينة”. هل هي قصة واقعية عشتها أم مستوحاة من الخيال؟
بالنسبة لفكرة أغنية “ليام زينة”، فهي قصة واقعية، ليست قصتي فقط، بل عاشها غالبية الناس. تتحدث عن شخص يشتاق إلى “ليام زينة”، أي مرحلة الطفولة، وخصوصًا لبعض الأشخاص الذين كانوا قريبين مني ولم يعودوا معي في الحياة. والحنين يلعب دورًا كبيرًا في الأغنية.
- حدثنا عن الأغنية من كلمات وألحان وتوزيع، كيف كان هذا التحدي بالنسبة لك؟
بالنسبة للكلمات والألحان، فهي من رفيق الدرب الفنان مهدي مهتدي. في يوم من الأيام سمعته يدندن بها، فقلت له مبتسمًا: “هذه أغنيتي بلا نقاش”، لأنني شعرت أن الأغنية تتحدث عني، وكانت قريبة مني.
أما التوزيع، فيعود للفنان المحبوب بدر مخلوقي، الذي أبدع في هذا العمل وأضاف له لمسة جمالية.
صراحة، كانت الأغنية تحديًا جميلًا وممتعًا بالنسبة لي، خاصة وأن الكليب تم تصويره في ثلاثة أيام متتالية. وأنا سعيد بهذا التعاون.

- لاحظنا أن الفيديو كليب يسوده طابع من الظلام والتشويق. ما الرسالة التي حاولت إيصالها بهذا الأسلوب البصري؟
بكل صدق، حاولنا في الكليب أن نُبقي الموضوع مفتوحًا، وكل مشاهد يرى الكليب من زاويته الخاصة. اشتغلنا على طريقة تصوير احترافية، وحرصنا على أن لا تكون مجرد مشاهد تمثيلية، بل فنية أكثر.
أما الألوان، فقد لعب اللون الأسود دورًا كبيرًا في الكليب، مما يوحي بالحزن والاكتئاب، وهذا هو هدف الكليب.
حتى أصدقائي المقربون من غير المغاربة، عند مشاهدتهم للكليب، شعروا بالحزن، وهذا ما كنت أطمح إليه: أن يشعر به المشاهد، سواء كان عربيًا أو أجنبيًا، حتى إن لم يفهم الكلمات، يحس بالأغنية من خلال لحنها وتوزيعها.
- في بداية الفيديو كليب، بدأت بعبارة: “كازا زوينة وكبيرة ولكن غولة”… لماذا هذه العبارة بالضبط؟ وما الذي يربطك بمدينة الدار البيضاء؟
هذه العبارة، صراحة، لها علاقة بأصدقائي من مدينة الدار البيضاء، بينما أنا ابن العاصمة الرباط.
دائمًا خلال جلساتنا، ووسط الضحك، كنت أقول: “كازا مدينة كبيرة لكن غولة”.
الفكرة أن كازا مدينة مزدحمة وصعبة للعيش بسبب الضغط السكني، وتبدو لي مخيفة. أعجبتني هذه العبارة، وأصررت أن تكون في مشهد البداية في الكليب.

- حدثنا عن الدور الذي جسدته في الكليب. هل له علاقة بتجربة شخصية أم أنه دور رمزي؟
الدور الذي جسدته في الكليب لا يمثلني شخصيًا، ولم أعش ذلك الموقف، لكن حاولت أن أضيف بعض الأفكار الخاصة بي.
لأكون دقيقًا، لدي علاقة أقوى مع كلمات الأغنية أكثر من الكليب. لكن لقطة المقبرة هي الأقرب إليّ، ولدي معها تجربة شخصية.
التجربة والمسار الفني
- قلت في أحد المقاطع: “باش نوصل أحلامي، طريق واحدة ماكينش البديل، نعطي كثر من جهدي، باش باب مسدود في وجهي يتهل”… ما العقبات التي واجهتها في مسيرتك الفنية؟
العقبات التي واجهتها في مساري الفني… صراحة، أنا في بداياتي كفنان صاعد، أشق طريقي، وأحاول أن أُعطي ما أمكن. لدي طموح وشغف، وأتمنى ألّا أواجه عقبات.
- هل تفكر في خوض تجارب موسيقية جديدة خارج نمط البوب؟ أم أنك تفضل التخصص في هذا اللون؟
بالنسبة لنمط جديد، أنا أحب التجديد، وأكيد أنني اشتغلت سابقًا على أغنية شعبية مثل “يا حبيبي”، وانتشرت بشكل كبير، وحصلت على ترند في المغرب.
- كيف كانت أجواء كواليس تصوير الكليب؟ وهل قربتكم أكثر كفريق عمل؟
أجواء الكواليس كانت ممتعة جدًا، كأننا أصدقاء، خصوصًا مع الفنان المخرج محمد عفروي.
لم تكن هناك رسميّات أثناء التصوير، وهذا ما جعل كل واحد يبدع في مهمته، من أجل خلق منتوج فني يستحق أن يُستمع إليه ويُستمتع به من طرف الجمهور المغربي الذوّاق.
صدى الأغنية وتفاعل الجمهور

- كيف كانت ردود فعل الجمهور المغربي بعد إصدار “ليام زينة”؟ وهل توقعت هذا التفاعل؟
صراحة، كانت ردود الفعل راقية من الجمهور المغربي، وخصوصًا عندما نشرت مقطع “كازا غولة”، نال إعجابًا كبيرًا وتفاعلًا واسعًا.
وحاليًا، ردود الفعل في المستوى، وكلام نظيف، وهذا ما يجعلني سعيدًا صراحة. شكرًا لهم جميعًا.
- ما الرسالة التي توجهها لجمهورك ومحبيك الذين دعموك طيلة مشوارك الفني؟
رسالتي لكل محبي محمد سالكي: شكرًا على دعمكم لي، من أسرتي، عائلتي، وأصدقائي، الذين يقدمون كل ما في وسعهم لكي أكون ناجحًا في أعينهم قبل كل شيء.
الحمد لله، دائمًا وأبدًا، لدي أناس يحبونني كما أنا، دون مقابل.
الجانب الإنساني والنفسي

- تقول: “عقلي باقي مسجون في أفكار الماضي، كيف يقدر ينسى وشكون إطلاق سراحو”… هل تعتقد أن الإنسان يستطيع فعلاً التحرر من الأفكار السلبية؟ وما نصيحتك لمن يعاني من ذلك؟
بالنسبة للجانب النفسي، وخصوصًا المقطع:
“عقلي باقي مسجون في أفكار الماضي، كيف يقدر ينسى وشكون إطلاق سراحو”
وأيضًا مقطع آخر يقول:
“اللي عندي لداخل كثر من داكشي اللي شفتوه، واخا همومي كثرت، على وجهي ما تبان، شوفوني ضاحك وتقولوا متخطّى ضحكتو”
أنا شخصيًا من الناس الذين يعشقون الضحك، الحمد لله، لكن هناك أشياء سلبية لا أحب مشاركتها مع الناس أو نقلها إليهم.
هذه المسألة قد يراها البعض على أنني دائمًا فرحان ومبتسم وخالٍ من المشاكل، لكن الحقيقة أن لدي تجارب سلبية، خصوصًا فقدان الوالدين، ولهذا أردد تلك العبارات.
الحمد لله على كل حال، وأنصح كل من يحمل في قلبه ماضيًا أن أقول له بالدارجة المغربية:
“الله يطلق سراحك يا ربي.”
“ليام زينة” ليست مجرد أغنية… إنها مرآةٌ للروح، وهمسة في أذن الذاكرة، ورسالة لكل من ظن أن الحنين ضعف.
محمد سالكي، بصراحته وشفافيته، يُبرهن أن الفن الحقيقي لا يحتاج إلى بهرجة، بل إلى قلب نابض بالصدق وتجارب لا تُشترى.
من خلف عدسة الكليب وظلال الكلمات، يترك لنا سالكي شيئًا من ذاته، ويُثبت أن القادم سيكون أقوى، لأن البدايات حين تُكتب بالصدق، لا تُنسى.
نترككم مع هذا الحوار، على أمل أن تظل “ليام زينة” ترنيمةً في أذن كل من اشتاق إلى زمنه الجميل…**















