انطلق مهرجان “موازين.. إيقاعات العالم” سنة 2001، ليصبح واحدا من أكبر وأبرز المهرجانات الموسيقية في العالم العربي، بل ويصنف ثانيا عالميا من حيث الإقبال والمتابعة الجماهيرية.
حيث جاء تأسيسه ليكون تظاهرة كبرى تجعل من مدينة الرباط مركزا للانفتاح والحوار الثقافي وجسرا للتواصل بين مختلف الفئات.
وتتولى تنظيم المهرجان جمعية “مغرب الثقافات”، وهي جمعية تأسست في السنة ذاتها وتحظى بصفة المنفعة العامة، حيث تعمل وفق الرؤية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس لتنمية الثقافة وتعميمها، وتوفير عرض فني وثقافي يتيح الترفيه للعموم.
1. التطور التاريخي والتحليل السوسيولوجي
لتقييم الدور الذي يلعبه المهرجان في المشهد الثقافي والاجتماعي من الضروري العودة إلى الجذور التاريخية وتتبع سيرورة المسار المهرجاني بالعاصمة وقراءة تحولاته من منظور علم الاجتماع.
وفي هذا السياق، صرح الأستاذ والباحث في علم الاجتماع عمر بنعياش لجريدة “لوبوكلاج”، أن مهرجان موازين إيقاعات العالم يشكل امتدادا مساريا يمتد لأكثر من ثلاثة عقود من المهرجانات الموسيقية بالعاصمة.
وأوضح أن المهرجان يعد نسخة منقحة ومزيدة لمهرجان الرباط الذي نظم لأول مرة في تسعينيات القرن الماضي، والذي كان بدوره نسخة معدلة لسهرات الأقاليم التي كان ينظمها عمال الأقاليم معتمدة في أنشطتها على الفرق الموسيقية الشعبية (الشيخات).
واعتبر الباحث أن هذه المحطات الثلاث تعكس دينامية تطور وانفتاح المغرب، ورغبته المتواصلة في الانتقال من المحلية نحو العالمية.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن مهرجان الرباط في تلك الفترة كان يرفع شعار الانفتاح على ثقافات قارات متعددة كإفريقيا وأوروبا وأمريكا إلى جانب الثقافة المغربية، وقد حقق نجاحا واسعا واستحسانا كبيرا من الجمهور الرباطي، حيث أتاح للساكنة والشباب فرصة التواصل المباشر مع فرق محلية بارزة كـ “ناس الغيوان”، فضلا عن فنانين عالميين في أنماط مثل غناء الجاز.
ولأن المهرجان ارتبط بخصوصية الرباط، فقد كان من الطبيعي أن تتضمن فقراته تنوعا يلبي مختلف الأذواق، بما في ذلك الموسيقى الأندلسية.
وأضاف الباحث أن هذا المسار، الممتد من سهرات الأقاليم الشعبية إلى مهرجان الرباط ثم موازين الذي تبنى نفس الرؤية والتصور، يتكامل مع تظاهرات وطنية أخرى مثل مهرجان السينما بمراكش، والموسيقى الروحية بفاس، وكناوة بالصويرة، والعيطة بآسفي. وهو ما يعكس، حسب تحليله، تطورا في الوعي الجمعي للمغاربة وحاجة الجمهور الذواق للتعرف على ثقافات العالم والاستفادة منها.
كما أبرز أن كل نشاط ثقافي أو رياضي أو فني ينظم بالمغرب يعبر عن مرحلة معينة من الانفتاح وتقبل الآخر، مشيرا إلى أن موازين تصدر المشهد العالمي إلى جانب مهرجان كناوة.
وأكد أن المهرجان يبعث رسائل ثقافية تعبر عن تسامح المغرب وانفتاحه على مختلف التعبيرات، وفي الوقت نفسه يخلق أجواء ترفيهية تستفيد منها جميع الفئات الاجتماعية دون تكاليف باهظة عكس ما يقال، ملتحما فيه الفن المحلي بالعالمي ليشكل بوابة للعبور نحو العالمية.
وحول النقاشات المصاحبة للمهرجان، أوضح الأستاذ عمر بنعياش أنه من الطبيعي لأي مبادرة إيجابية أن تثير تشجيعا من جهة ومحاربة لأسباب ثقافية أو سياسية من جهة أخرى، مبينا أن لجوء بعض الجهات السياسية أو المنصات الإعلامية للمزايدة يعود للرغبة في تحقيق الجذب الإعلامي (البوز)، أو الاستقطاب السياسي، أو الظهور بمظهر الحرص على الهوية والأخلاق.
2. موازين والبعد السوسيولوجي
لا يقتصر تأثير مهرجان موازين على الجانب الفني فقط، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي من خلال الطريقة التي يعيد بها تشكيل علاقة الجمهور بالثقافة والفضاء العمومي.
فاعتماد المجانية في 90% من المنصات يساهم في جعل العروض الفنية متاحة أمام فئات اجتماعية مختلفة، ويمنح الأسر والشباب فرصة المشاركة في حدث ثقافي جماهيري دون أن تشكل القدرة المادية عائقا أمام الولوج إليه.
وتترجم هذه الجماهيرية الاستثنائية بالأرقام، إذ يستقطب المهرجان سنويا أكثر من 2.5 مليون زائر ووصل في بعض الدورات إلى 3.75 مليون زائر، بينما يتابع العروض المنقولة عبر التلفزيون نحو 4 ملايين مشاهد عن كل حفل حول العالم. ومن هذا المنظر، يتحول الفضاء العام خلال فترة المهرجان إلى مجال للتفاعل بين فئات اجتماعية متعددة، حيث تلتقي جماهير مختلفة داخل فضاءات مشتركة، مما يعزز أشكال التواصل الاجتماعي ويمنح المدينة دينامية جديدة،
كما يساهم هذا الحضور الجماهيري في إعادة اكتشاف الفضاءات العمومية باعتبارها أماكن للمشاركة الثقافية وليس فقط أماكن للعبور.
وعلى صعيد النقاش الشعبي والمجتمعي يبرز السجال والتجاذب بين الأطراف حول المهرجان كل سنة؛ حيث يستند المعارضون إلى اعتبارات أخلاقية ودينية أو التساؤل عن مدى أولويات الصرف واستغلال أموال الشعب في المهرجانات، بينما يرى المؤيدون في المهرجان دعامة أساسية للتفتح الفني والمتنفس الشعبي وتلميع صورة المغرب الدولية.
وتأتي البيانات الرسمية لجمعية مغرب الثقافات لتجيب عن هذا النقاش بتوضيح نموذجها المالي المعتمد؛ حيث مر المهرجان بمسار تحولي بدأ فيه بالاعتماد بنسبة 60% على الدعم العمومي بين سنتي 2001 و2005، لينخفض هذا الدعم إلى 6% بين 2008 و20010، قبل أن يقطع المهرجان كليا مع أي دعم عمومي مباشر بنسبة 0% ابتداء من سنة 2011. وبالمقابل، اعتمد المهرجان نموذجا يستند إلى 32% من المستشهرين الخواص و68% من المداخيل المتغيرة مثل بيع التذاكر والاشتراكات والمساحات الإعلانية،
فضلا عن توفيره أكثر من 5000 فرصة شغل موسمية للشباب وإنعاشه مختلف المهن والحرف بالمدينة.
3. موازين والبعد الثقافي
يكشف تنوع البرمجة الفنية لمهرجان موازين عن توجه يقوم على الجمع بين تثمين الثقافة المغربية والانفتاح على التعبيرات الموسيقية العالمية. فاختلاف المنصات والفضاءات المحتضنة للعروض يعكس تعدد الأنماط الموسيقية التي يحتضنها المهرجان، من الموسيقى العالمية إلى العربية، مرورا بالألوان المغربية الشعبية والتراثية.
ولا يقتصر دور المهرجان على تقديم عروض فنية، بل يساهم كذلك في تثمين الذاكرة الثقافية للمغرب من خلال مشاريع فنية تهتم بالتراث، مثل مشروع “العيطة”، إلى جانب استثمار المعالم التاريخية للرباط في احتضان عروض ثقافية تربط الفن بتاريخ المدينة وهويتها. كما يمثل واجهة للدبلوماسية الثقافية للمملكة، يحظى بمتابعة واسعة وتغطية إعلامية مكثفة من طرف أكثر من 760 صحفياً محلياً ودولياً يمثلون نحو 220 منبرا إعلاميا من مختلف دول العالم. ومن هذا المنطلق، يصبح المهرجان وسيلة لتعزيز الحوار بين الثقافات، حيث يلتقي الفنانون المغاربة بنظرائهم من مختلف أنحاء العالم، مما يخلق نوعا من التلاقح الثقافي ويساهم في تعزيز الروح الثقافية للرباط.
4. تقييم الأثر
ساهم مهرجان موازين في ترسيخ مكانة الرباط كمدينة تحتضن تظاهرات ذات بعد دولي، متجاوزا حدود الاحتفالية الموسيقية العابرة ليصبح مكسبا استراتيجيا وقوة ناعمة تسوق لصورة المغرب كبلد للانفتاح والتسامح.
غير أن الرهان الحقيقي يكمن في مدى قدرة هذا النموذج التنظيمي والمالي المستقل على استثمار النجاح لبناء صناعة ثقافية وطنية مستدامة تدعم الفنان المحلي وتهيكل القطاع الفني طيلة السنة، لتترك أثرا مستقرا في نسيج المجتمع والمشهد الفني بدلا من الاقتصار على الأيام المعدودة للمهرجان.
إن القراءة التحليلية الشاملة تظهر أن مهرجان موازين قد نجح في تثبيت مقوماته المالية والتنظيمية كنموذج رائد للإشعاع الدولي، غير أن تحوله إلى رافعة استراتيجية حقيقية يظل مرهونا بمدى استثمار هذا النجاح في هيكلة صناعة ثقافية مستدامة تمتد آثارها التنموية والفنية على مدار السنة، لتتجاوز الحدود الموسمية للتظاهرة وتنعكس بشكل مباشر على دعم الفنان والقطاع الثقافي الوطني















