أعلن رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، يوم الخميس 3 شتنبر 2026، أثناء مثوله أمام مجلس النواب، عن توجه حكومته نحو القيام بمجموعة من الإجراءات الرامية إلى تعزيز الاندماج الأوروبي لمدينتي سبتة ومليلية.
أي إضفاء الصبغة الأوروبية على المنطقتين، وهي خطوة تحمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية؛ مما أعاد ملف سبتة ومليلية إلى الواجهة، ووضعنا أمام نقاش حساس حول مآل العلاقات المغربية الإسبانية.
وتتمثل أبرز المقترحات في دمج مدينتي سبتة ومليلية في الاتحاد الجمركي الأوروبي، الذي أنشئ سنة 1968 ويضم 27 دولة حالياً، ومنحهما مقعداً في لجنة الجهات الأوروبية. إلى جانب مطالبة بروكسيل بالاعتراف بهما كمناطق فائقة البعد، وهو وضع تعيشه مجموعة من المناطق الإسبانية كجزر الكناري على سبيل المثال.
كما صرح سانشيز بأنه طلب الحضور الدائم للوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل، المعروفة بـ (FRONTEX)، في سبتة، إضافة إلى الاعتماد عليها في رصيف “طرخال” الذي يعبر ويصل من خلاله المهاجرون سباحة إلى المدينة. وتأتي هذه الإجراءات عقب أسابيع من أزمة الهجرة التي شهدتها مدينة سبتة نهاية شهر يوليوز الماضي.
سبتة ومليلية: وضع إسباني خاص داخل الاتحاد الأوروبي
رغم خضوع سبتة ومليلية لإسبانيا وتمتعهما بنظام الحكم الذاتي منذ سنة 1995، إلا أنهما تعرفان وضعاً خاصاً يختلف عن باقي الأراضي الإسبانية. فالمدينتان لا تمتثلان لمجموعة من القواعد المطبقة على الأراضي الإسبانية، خاصة في المجال الجمركي والضريبي؛ حيث إن المدينتين لا تدخلان ضمن الإقليم الجمركي للاتحاد الأوروبي، كما لا يطبق عليهما نظام الضريبة على القيمة المضافة المعمول به في إسبانيا، وإنما تخضعان لنظام ضريبي خاص.
وفيما يخص منطقة “شنغن”، تتبع المدينتان نهجاً خاصاً؛ فالخروج منهما نحو إسبانيا القارية يستلزم الخضوع لإجراءات ومراقبة خاصة، وفي المقابل فإن حدودهما مع المغرب يعتبرها الاتحاد الأوروبي حدوداً خارجية.
تاريخ سبتة ومليلية من السيادة المغربية إلى الوجود الإسباني
يعود احتلال المنطقتين إلى أكثر من خمسة قرون؛ فحسب المؤرخ المغربي حكيم بنعزوز، في مقال نشر في “الجزيرة نت”، يرجع احتلال مدينة سبتة إلى سنة 1415 على يد البرتغال، حيث عرفت هذه الفترة شن مجموعة من الحملات الصليبية ضد الوجود العربي الإسلامي بالأندلس. وأفاد المؤرخ المغربي بنعزوز للمصدر ذاته بأن المغرب تعرض لـ 18 حملة صليبية من البرتغال و18 حملة صليبية من إسبانيا.
وانتقلت المدينة إلى التاج الإسباني عقب مجموعة من الأحداث التاريخية، أهمها هزيمة البرتغال أمام المغرب في معركة وادي المخازن، أو ما تُعرف بـ “معركة الملوك الثلاثة”، والتي توفي فيها الملك البرتغالي سيباستيان؛ مما نتج عنه سلسلة من الأحداث أبرزها الاتحاد الإيبيري سنة 1580، وتوقيع معاهدة لشبونة سنة 1668 التي بموجبها تخلت البرتغال عن سبتة لصالح إسبانيا. أما مدينة مليلية فقد تم احتلالها في أواخر القرن الخامس عشر في سياق التوسع الإسباني على سواحل شمال إفريقيا.
وظل وضع المدينتين المحتلتين محل خلاف بين المغرب وإسبانيا، فطالما طالب المغرب باسترجاعهما باعتبارهما جزءاً لا يتجزأ من الأراضي المغربية. ففي عبر التاريخ، تعرضت المدينتان لعشرات الحملات والحصارات المغربية لاسترجاعهما، لعل أبرزها حصار السلطان العلوي المولى إسماعيل لمدينة سبتة والذي استمر لسنوات. ويستمر هذا الخلاف إلى حدود اليوم بين الرباط ومدريد.
من أزمة الهجرة إلى تعميق الخيار الأوروبي
في الثلاثين من يوليوز الماضي، شهدت مدينة سبتة المحتلة موجة هجرة وعبور جماعي، أغلبهم وصل سباحة، مما نتج عنه أزمة وضغط كبير على السلطات المحلية. والكشفت آنذاك السلطات الإسبانية عن عبور أزيد من 1500 شخص خلال الأيام الأولى من الأزمة، ليرتفع بعد ذلك العدد بنسبة كبيرة حسب تقديرات إسبانية.
وعقب هذه الأزمة، اتخذت مدريد مجموعة من الإجراءات والتدابير لمواجهة هذا التدفق، إلا أنها لم تكتف بالإجراءات الأمنية الداخلية؛ إذ اتجهت إلى المطالبة بمزيد من الانخراط الأوروبي. وليست هذه المرة الأولى التي تطالب فيها إسبانيا بتعزيز وتعميق اندماج الثغرين المحتلين داخل الاتحاد الأوروبي؛ ففي سنة 2021 تم وضع اقتراح إضفاء الصبغة الأوروبية على كل من سبتة ومليلية عقب موجة تدفق أزيد من 8000 مهاجر، من بينهم قاصرون سباحة إلى سبتة عبر رصيف طرخال.
بين الرباط ومدريد هل تتحول الإجراءات الجديدة إلى أزمة سياسية؟
تكمن حساسية الوضع والخطوة المتخذة من الحكومة الإسبانية في كون تعزيز الطابع الأوروبي لسبتة ومليلية المحتلتين لا يتعلق فقط بالجانب الاقتصادي والأمني، وإنما يلامس ملفاً حساساً وسيادياً يعتبره المغرب من القضايا العالقة في علاقته مع إسبانيا.
وقد سبق لخبير العلاقات المغربية الإسبانية، سمير بنيس، أن اعتبر في تصريح نقلته صحيفة “هسبريس” سنة 2021، أن الخلاف حول سبتة ومليلية يمكن أن يشكل عائقاً أمام استعادة الدفء الكامل في العلاقات الثنائية، مشيراً إلى أن المغرب بدأ منذ ذلك الحين في إعادة النظر في تعاطيه مع المدينتين، بالتوازي مع تعزيز التنمية الاقتصادية في شمال المملكة. وتكتسب هذه القراءة أهمية جديدة اليوم، خاصة وأننا لم نعد نتحدث فقط عن مستقبل العلاقة الثنائية بين المغرب وإسبانيا، بل أصبح الأمر مرتبطاً بموقع الاتحاد الأوروبي في قضية المدينتين.
زيارة الملك فيليبي السادس رسالة رمزية في توقيت حساس
ولا تنفصل هذه الأحداث عن زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس لسبتة ومليلية؛ فقد أكد سانشيز أن الملك الإسباني سيزور المدينتين دون تحديد موعد نهائي. وقد أثارت هذه الزيارة المرتقبة جدلاً واسعاً وتساؤلات حول نية إسبانيا من هذه الخطوة: فهل هي مجرد زيارة عادية أم جس نبض لردة فعل المغرب؟
وتزداد دلالة الزيارة بالنظر إلى توقيتها؛ فهي تأتي بعد أزمة الهجرة، وفي الوقت الذي تدفع فيه مدريد باتجاه تعزيز الارتباط والإدماج الأوروبي لسبتة ومليلية، إلى جانب أن آخر زيارة ملكية للمنطقتين كانت سنة 2014؛ مما يجعل أي زيارة ملكية للمدينتين محملة بأبعاد رمزية وسياسية تتجاوز الطابع البروتوكولي.
التوجه الإسباني الجديد توتر أم تدبير حذر؟
وفي ظل هذه التطورات، وانطلاقاً من المؤشرات الراهنة، يبقى احتمال حدوث أزمة جديدة وتوترات في العلاقة بين الرباط ومدريد قائماً، خصوصاً إذا تحولت مسألة منح الصبغة الأوروبية لسبتة ومليلية إلى خطوات عملية تمس وضع المدينتين أو تعزز حضورهما داخل المنظومة الأوروبية.
إضافة إلى موقف إسبانيا الرافض للتفاوض؛ فقد شدد وزير الخارجية، خوسيه مانويل ألباريس، في شهر غشت الماضي، على أن المدينتين جزء من السيادة الإسبانية، مؤكداً رفضه جميع المطالب المغربية المتعلقة بالمنطقتين والتفاوض حول وضعهما، في التفاتة واضحة إلى موقف المغرب الذي يجدد تأكيد سيادته على الثغرين المحتلين.
غير أن طبيعة الشراكة التي تجمع البلدين تجعل من الصعب الجزم باندلاع أزمة جديدة، إذ سيظل تدبير هذا الملف رهيناً بمدى قدرة الرباط ومدريد على احتواء الخلافات وتفادي تحويلها إلى مواجهة دبلوماسية جديدة.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن ملف سبتة ومليلية مرشح لأن يشكل نقطة توتر جديدة في العلاقات المغربية الإسبانية، خاصة إذا انتقلت المقترحات الإسبانية من مستوى التوجه السياسي إلى خطوات عملية.
فحساسية وضع المدينتين تجعل أي تغيير في وضعيتهما أو في ارتباطهما بالاتحاد الأوروبي مسألة قابلة لإعادة إشعال فتيل الخلاف بين الرباط ومدريد، فيما يبقى الحوار قادراً على احتواء هذه التوترات والحد منها.















