أقدمت السلطات التونسية، مساء أمس الجمعة 4 شتنبر 2026، على توقيف الصحفي البارز محمد اليوسفي، رئيس تحرير موقع “الكتيبة” الاستقصائي، قبل لحظات من دخوله مقر إذاعة “إكسبراس إف إم” للمشاركة في برنامج حول أزمة المياه.
وبعد ساعات من اعتقاله، أمر قاضي التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي بالاحتفاظ به لمدة 48 ساعة، على ذمة تحقيق يتعلق بتهم “الإثراء غير المشروع وغسل الأموال”، وفق ما نقلته وكالة الأنباء التونسية عن مصدر قضائي.
ويأتي توقيف اليوسفي، المعروف بانتقاداته اللاذعة لسياسات الرئيس قيس سعيد، في سياق تصاعد المخاوف بشأن حرية الصحافة في تونس، إذ يرى منتقدون أن هذه الخطوة تهدف إلى إخماد الأصوات المستقلة وتعزيز الحكم الاستبدادي. ويُعد هذا الاعتقال أحدث حلقة في سلسلة ملاحقات طالت عددا من الإعلاميين، من بينهم زياد الهاني ومراد الزغيدي وبرهان بسيس، إضافة إلى خولة بوكريم التي صدر بحقها حكم غيابي بالسجن أربع سنوات في يونيو الماضي.
ووفق المعطيات المتوفرة، فقد أوقف الصحفي الذي كان في طريقه لتسجيل حلقة إذاعية، وأُخطر مقدم البرنامج وليد بن رحومة بأن اليوسفي سيُقتاد للتحقيق، دون تقديم أي تفاصيل إضافية. ونقلت وكالة الأنباء التونسية عن مصدر قضائي أن التهم الموجهة إليه تشمل تكوين وفاق قصد الاعتداء على الأشخاص والأملاك، والإثراء غير المشروع، واعتياد غسل الأموال باستغلال التسهيلات التي خولتها خصائص الوظيفة والنشاط المهني والاجتماعي.
في المقابل، اعتبرت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين أن هذا الإيقاف يشكل “سابقة خطيرة” ورسالة ترهيب للجسم الصحفي بأكمله. وأكدت النقابة، في بيان لها، أن التحقيقات تركزت حول طبيعة الخط التحريري لموقع “الكتيبة”، وربطت الإيقاف بحملات التشهير والتحريض التي استهدفت اليوسفي بسبب مواقفه الإعلامية. وطالبت النقابة بالإطلاق الفوري لسراحه، وضمان حقه في الدفاع واحترام قرينة البراءة، محذرة من توظيف التتبعات القضائية للضغط على الصحفيين أو ردعهم عن تناول الملفات العامة وانتقاد السياسات العمومية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تحذر فيه منظمات حقوقية من تزايد محاولات إسكات الأصوات المستقلة في تونس، منذ أن علق الرئيس سعيد عمل البرلمان في 2021 وحلّه في العام التالي، وبدأ الحكم بمراسيم. وخلال السنوات الثلاث الماضية، سُجن قادة الأحزاب المعارضة الرئيسية إلى جانب عشرات الصحفيين والنشطاء، في مشهد يثير تساؤلات حول مستقبل الحريات في بلد كان يُعتبر نموذجا للربيع العربي. وتظل الأسئلة مفتوحة حول ما إذا كانت هذه الملاحقات ستتوقف عند حدود التهم المالية، أم أنها تمثل فصلاً جديداً في مسلسل تضييق الخناق على ما تبقى من أصوات ناقدة في المشهد التونسي.















