يأتي العيد ويرحل، تتغير الأحوال وتتبدل الظروف، ويبقى شيء واحد ثابت لا يتزحزح في هذا الوطن السعيد: “الشناق” هو الرابح الأكبر دائما وأبدا. فكل عام وأنتم بخير أيها السادة الوسطاء، يا صيادي الفرص، يا من حولتم حياتنا إلى بورصة مفتوحة لا تعرف إلا مؤشر الصعود لأرباحكم، ومؤشر الهبوط لجيوبنا.
لقد أثبتت الأيام، بما لا يدع مجالا للشك، أنكم الفئة الوحيدة التي لا تهزمها أزمة ولا يكسرها قرار. قيل لنا هذا العام “لا تذبحوا الأضاحي حفاظا على القطيع”، ففرحنا وقلنا في أنفسنا: “أخيرا، سيرتاح الكساب المسكين، وسينكسر ظهر الشناق!”. يا لسذاجتنا! لم يفتكم الأمر أيها المبدعون، فسرعان ما تحولتم إلى تجارة “الدوارة” التي وصل سعرها إلى عنان السماء، وكأنكم تقولون للمواطن بلسان الحال: “إن لم نربح في اللحم، سنربح في الأحشاء… المهم أن نربح!”.
هي فلسفة حياتكم ومنهجكم القويم: المواطن ليس إلا كيسا للنقود، ومصدرا للثروة يجب استنزافه حتى آخر درهم. لا يهم إن كان الوقت وقت فرح أو حزن، صحة أو مرض، رخاء أو غلاء. في الأعراس، أنتم من يسيطر على أسعار قاعات الأفراح والممونين. وفي المآتم، لا قدر الله، تتربصون بأسعار مستلزمات الدفن. في المستشفيات، لكم في كل جهاز ومستلزم طبي حصة، وفي المدارس، لكم في كل كتاب ودفتر زيادة. أنتم السرطان الذي ينخر بهدوء في كل قطاع.
والحق يقال، “الشناقة” ليسوا على درجة واحدة من الاحتراف. هناك “شناقة” دوري الهواة، أولئك الذين تجدهم في الأسواق الأسبوعية، يترصدون الفلاح البسيط الذي جاء لبيع بضع سلات من الخضر أو الفاكهة، فيشترونها منه بثمن بخس، ليبيعوها بعد أمتار قليلة بسعر مضاعف، لا يجمعون إلا الفتات مقارنة بإخوانهم الكبار.
أما المحترفون، فهم يلعبون في الدوري الممتاز. هؤلاء لا يبيعون بالصندوق أو الكيلوغرام، بل صفقاتهم بالمليارات. هم أصحاب الياقات البيضاء الذين يجمعون ببراعة مذهلة بين المال والسلطة والسياسة. “شناقتهم” تتم في الصالونات الفخمة والمكاتب المكيفة، يحركون الأسواق بقلم، ويتحكمون في أقوات العباد بقرار. هم الذين يستوردون ما ننتج، ويصدرون ما نحتاج، ويقننون الاحتكار لضمان استمرار تدفق الثروة. بالنسبة لهؤلاء، الوطن مجرد سوق كبير، والمواطنون مجرد أرقام في دفاتر حساباتهم.
فيا أيها المواطن المغلوب على أمره، لا تحزن. فبينما أنت تفكر في تدبير أمور العيد، وتكاليف الدخول المدرسي، وفواتير الماء والكهرباء، هناك من يفكر كيف سيحول كل هذه الهموم إلى أرباح في حسابه البنكي. هم لا يشغلون بالهم بالتفاصيل الصغيرة، فـ”الحاصول”، كما نقول بالدارجة، “الشناق هو لي طالعا ليه”.
وما إن تنقشع غبرة العيد حتى يبدأ الشناق في حزم حقائبه استعدادا للموسم القادم. فبعد محطة “عيد الأضحى” المربحة، تتوجه أنظارهم مباشرة إلى المحطة التالية: “العطلة الصيفية”. هنا يتحولون إلى خبراء في السياحة، فيسيطرون على أسعار كراء الشقق والمنازل في المدن الساحلية، ويرفعون أثمنة تذاكر النقل، ويتحكمون في كل شبر على الشاطئ. وما هي إلا أسابيع قليلة حتى تلوح في الأفق المحطة الذهبية التالية وهي “الدخول المدرسي”، حيث يتحولون بقدرة قادر إلى أخصائيين في اللوازم المدرسية والكتب والمحافظ، لتبدأ جولة جديدة من شفط الجيوب، وهكذا دواليك في قطار لا يتوقف أبدا.
لذا، ونحن على أعتاب مناسبة جديدة، لا يسعنا إلا أن نرفع القبعة احتراما لهذه الطينة من الكائنات الاقتصادية الفذة، ونهنئهم من أعماق جيوبنا الفارغة: كل عام وأنتم بخير… وعيدكم مبارك سعيد، فالعيد عيدكم، وما نحن إلا الجمهور الذي يصفق ويشاهدكم تصعدون إلى منصة التتويج في كل مناسبة. ويحكى أن معلما سأل تلميذا: ماذا تريد أن تصبح في المستقبل؟ فأجاب التلميذ دون تردد: أريد أن أصبح شناقا يا أستاذ!. استغرب المعلم وسأله: ولماذا شناق؟ فرد التلميذ: لأن أبي يقول دائما إنهم الوحيدون الذين ينجحون في كل المواد!















