في لحظة خاطفة، يمكن لعبارة واحدة أن تهدم ما تبنيه سنوات من الصورة والرمزية.
عبارة «شكون أنت؟» ليست مجرد سؤال عابر، بل حمولة ثقيلة في الذاكرة المغربية، ارتبطت بزمن كان فيه الصوت الصحافي يُواجَه بالاستعلاء والوصاية، كما حدث مع إدريس البصري وزير الداخلية في عهد الراحل الحسن الثاني والصحافي الراحل خالد الجامعي.
لكن المؤسف اليوم، أن هذه العبارة لم تعد حبيسة ذلك الماضي، بل عادت على لسان فنان، وفي فضاء يفترض أنه يحتفي بالإبداع والانفتاح، لا بالإقصاء والتعالي.
ما جرى خلال حفل نظمه نادي الفنانين بالرباط، حين خاطب نعمان لحلو الصحافية ابتسام، ممثلة موقع “لوبوكلاج”، بعبارة «شكون أنت؟»، لم يكن زلة لسان، بل لحظة كاشفة. كاشفة لمنسوب احترام بعض الفنانين للصحافة، وكاشفة أيضًا لخلل عميق في فهم أدوار الفاعلين داخل الحقل الثقافي.
الصحافية لم تكن في موقع تطفل، ولا كانت تمارس استفزازًا، بل كانت تؤدي واجبها المهني في تغطية حدث فني. غير أن الرد الذي تلقته لم يقف عند حدود الاستغراب، بل تجاوزه إلى نفي الاعتراف: «أنت لا».
وهنا، لا نتحدث فقط عن سوء تواصل، بل عن نزعة إقصائية صريحة، تضرب في العمق فكرة الشراكة بين الفنان والإعلام.
الفنان، مهما علا نجمه، لا يقف فوق المساءلة، ولا يملك سلطة تصنيف الصحافيين أو منحهم شرعية الوجود. بل على العكس، قوته الرمزية تُبنى أيضًا عبر حضوره في الإعلام، عبر الحوار، وحتى عبر النقد.
ما صدر عن نعمان لحلو لا يسيء فقط لصحافية كانت تقوم بعملها، بل يضع الفنان نفسه في موقع تناقض صارخ مع القيم التي يفترض أن يحملها: الانفتاح، التواضع، واحترام الآخر. فالفن ليس فقط صوتًا وألحانًا، بل سلوك وموقف.
الواقعة تفتح نقاشًا أوسع: هل ما زال بعض الفنانين أسرى لذهنية قديمة ترى في الصحافة مجرد أداة للتلميع؟ وهل ما زالت ثقافة «من أنت؟» تحكم بعض العلاقات داخل المجال الفني، رغم كل التحولات التي عرفها المغرب؟
الأكيد أن مثل هذه السلوكات لم تعد تمر مرور الكرام. جمهور اليوم واعٍ، والصحافة لم تعد ذلك الصوت الهامشي الذي يمكن إسكاتُه بعبارة مستفزة.
بل أصبحت فاعلًا أساسيًا في تشكيل الرأي العام، وفي مساءلة كل من يشتغل في الفضاء العمومي.
في النهاية، ليست المشكلة في عبارة قيلت، بل في العقلية التي أنتجتها. بين فنان يستحضر خطاب الاستعلاء، وصحافة تتمسك بدورها المهني، يبقى الرهان الحقيقي هو: من يملك القدرة على الارتقاء؟ ومن ما زال عالقًا في زمن «شكون أنت؟».















