في لحظاتٍ قليلة، تختصر الكلمات أحياناً حجم الألم أكثر مما تفعل الأحكام القضائية نفسها.
عبارة “لا أمل” التي نطق بها الأستاذ علي زيان، مباشرة بعد صدور الحكم، لم تكن مجرد تصريح عابر، بل كانت صرخة إنسانية تختزل قلق عائلة، وحزن متابعين، وأسئلة مجتمع.
قرار محكمة الاستئناف بالرباط تأييد الحكم الابتدائي القاضي بسجن النقيب محمد زيان لخمس سنوات نافذة، بعد مسار قضائي متقلب بين تخفيف ونقض وإعادة محاكمة، أعاد الملف إلى نقطة أكثر ثقلاً، ليس فقط قانونياً، بل إنسانياً أيضاً.
زيان، الذي لم يُخفِ يوماً انتماءه، وكان يعلن جهاراً اعتزازه بخدمة الدولة إلى جانب الراحل الحسن الثاني كأول وزير لحقوق الإنسان، يجد نفسه اليوم في وضعية مغايرة تماماً: شيخ ثمانيني، يعاني من أمراض متعددة، يواجه حكماً ثقيلاً، وسنوات إضافية خلف القضبان.
هنا، لا يعود النقاش محصوراً في النصوص القانونية أو المساطر القضائية، بل يتجاوزها إلى سؤال أكبر: أين ينتهي القانون، وأين تبدأ الرحمة؟
ثلاث سنوات قضاها الرجل في السجن، وها هو يُواجه امتداداً زمنياً جديداً للعقوبة، في مرحلة عمرية حساسة، حيث يصبح الزمن نفسه عبئاً مضاعفاً. فالسجن في الشيخوخة ليس كسواه؛ هو ليس فقط حرماناً من الحرية، بل أيضاً استنزاف لما تبقى من الجسد والذاكرة والأمل.
تصريحات العائلة، وخصوصاً ابنه، أعادت تسليط الضوء على الوضع الصحي للنقيب، وعلى المخاوف المتزايدة من أن يتحول الحكم من عقوبة إلى ما يشبه النهاية البطيئة. وبين هذا وذاك، تتعالى أصوات حقوقية، وطنية ودولية، تدعو إلى انفراج سياسي وحقوقي، وإلى قراءة إنسانية أوسع للملف.
قد يختلف الناس حول مواقف زيان، حول تصريحاته، أو حتى حول مساره السياسي، لكن ما يكاد يجمع عليه كثيرون هو أن ما يحدث اليوم يتجاوز الشخص إلى رمزية أعمق: كيف تُعامل الدول رموزها حين تختلف معها؟ وكيف تُوازن بين هيبة القانون وكرامة الإنسان؟
في “لوبوكلاج”، لا يُنظر إلى القضية فقط من زاوية الحكم، بل من زاوية الإنسان. إن الحديث هنا عن رجل في خريف العمر، يحمل تاريخاً طويلاً، ويواجه مصيراً ثقيلاً. رجل يصفه كثيرون بالشجاعة، سواء اتُّفق معه أو اختلف.
ربما لا نملك كل الأجوبة، لكننا نملك حق طرح الأسئلة:
هل يمكن للعدالة أن تكون عادلة دون أن تكون رحيمة؟
وهل يمكن أن يتحول تنفيذ الحكم، في بعض الحالات، إلى اختبار أخلاقي للمجتمع بأكمله؟
بين عبارة “لا أمل” التي قالها الابن، وأملٍ صغير يتمسك به كل من يؤمن بأن العدالة لا تكتمل إلا بإنسانيتها، تبقى هذه القضية مفتوحة… ليس فقط في المحاكم، بل في ضمير الجميع.















