انفجر الغضب الجماعي عقب تعادل المنتخب المغربي مع نظيره المالي، وارتفعت الأصوات حدّ التخوين والمطالبة بالإقالات، وكأن التعادل هزيمة وجودية.
لكن ما يكشفه هذا الانفجار ليس أزمة كرة قدم، بل أزمة وعي. فالجمهور الذي استنفر كل طاقته الانفعالية من أجل نتيجة عابرة، لم يُبدِ الحدّة نفسها أمام هزائم أعمق وأقسى، هزائم تُصيب الاجتماع والاقتصاد والسياسة والإعلام في الصميم.
هذا الغضب الانتقائي يفضح خللًا بنيويًا في ترتيب الأولويات. يغضب الجمهور من مباراة، لكنه لا يغضب من تآكل القدرة الشرائية، ولا من اتساع البطالة والفوارق، ولا من انكماش السياسة وتحولها إلى طقس بلا أثر، ولا من أعطاب الإعلام حين يُفرّغ من مضمونه الرقابي.
والأدهى أنه لم يغضب بالقدر اللازم من فضيحة الفيديو المسرّب لاجتماع لجنة الأخلاقيات التابعة للمجلس الوطني للصحافة، وهي فضيحة تمسّ جوهر المهنة ومصداقية مؤسسة يفترض فيها صون الأخلاقيات لا خرقها.
في لحظة واحدة، اشتعلت المنصات بسبب تعادل كروي، وفي لحظة أخرى، مرّ تسريب يهز الثقة في التنظيم الذاتي للصحافة بلا تعبئة حقيقية ولا ضغط شعبي يُذكر.
هنا تتجلى المفارقة القاسية: غضب صاخب حيث الأمان والكلفة الصفرية، وصمت ثقيل حيث يتطلب الأمر مساءلة ووعيًا واستمرارية.
ليس الغضب في ذاته مشكلة، المشكلة أنه مُدار وموجّه، يُستدعى في المجال المسموح ويُعطَّل في المجالات التي تُزعج.
بهذا السلوك، لا يُقصى الجمهور قسرًا، بل يُقيل نفسه بنفسه من معركة الوعي. يتحول إلى مدرج افتراضي يصرخ ثم يعود إلى الصمت، فيما تُمرَّر الهزائم الحقيقية بلا مقاومة.
حين يُفرَّغ الغضب في كرة القدم، يُفرَّغ معه الضغط عن الملفات الأخطر، وتستمر الرداءة في مواقعها، وتُستأنف الحياة كأن شيئًا لم يكن.
الخلاصة قاسية لكنها ضرورية: لسنا أمام جمهور واعٍ غاضب، بل أمام جمهور غاضب حيث يُسمح له بالغضب.
إلى أن تُستعاد البوصلة، سيظل التعادل الكروي فضيحة كبرى، وستظل الهزائم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإعلامية تفاصيل هامشية في نقاش عام يهرب من الجوهر إلى الشكل.














