أفرزت انتخابات 23 شتنبر 2026 تغييرات مهمة في الخريطة السياسية لإقليم تطوان، من شأنها أن تكون لها تداعيات على الاستحقاقات الجماعية التي تفصلنا عنها أقل من سنة.
وسعياً من “لوبوكلاج” إلى تنوير القراء وفتح نقاش عمومي حول مجريات الانتخابات التشريعية ونتائجها، ننشر تحليلاً مطولاً في عدة حلقات للإعلامي الأمين مشبال، ومراسل لوبوكلاج في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة يستعرض فيه، استناداً إلى أرقام ومعطيات انتخابية، نتائج الاقتراع الأخير، ويحاول قراءة العوامل التي ساهمت في فوز بعض المرشحين وتراجع آخرين، إضافة إلى استنتاجات عامة.
مؤشرات المشاركة
تشير الإحصائيات الرسمية الصادرة عن عمالة تطوان إلى أن عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية بلغ 269,013 ناخباً، توجه منهم 77,764 إلى صناديق الاقتراع، أي بنسبة تقارب وبلغ مجموع الأصوات المعبَّر عنها 64,676 صوتاً، مقابل 13,088 ورقة ملغاة، أي ما يقارب 16.8% من مجموع المصوتين.
وتكشف هذه الأرقام، في حد ذاتها، عن ظاهرة تستحق التوقف عندها: ضعف الإقبال على الاقتراع من جهة، وارتفاع نسبة الأوراق الملغاة من جهة أخرى، وهو ما يعني أن جزءاً مهماً ممن توجهوا إلى مكاتب التصويت لم يتحول تصويتهم إلى أصوات محتسبة لفائدة إحدى اللوائح المتنافسة. وبالمقارنة مع انتخابات 2021، يبرز تراجع في نسبة المشاركة مما يطرح سؤالاً أساسياً حول حجم المسافة التي باتت تفصل شريحة واسعة من الناخبين عن العملية السياسية والحزبية.
ريمونتادا
تظل النتيجة الأبرز في استحقاقات 23 شتنبر 2026 هي العودة القوية لحزب العدالة والتنمية، ممثلاً في أحمد بوخبزة، الذي حقق ما يمكن وصفه بـ«الريمونتادا» الانتخابية. في هذا السياق يمكن اعتبار ترشيح أحمد بوخبزة وكيلا للائحة المصباح اختيارا مدروسا بعناية: فأحمد بوخبزة ليس وجهاً جديداً في المشهد السياسي التطواني؛ فهو برلماني سابق خلال الولاية 2011-2016، ونائب سابق لرئيس جماعة تطوان، وفاعل جمعوي معروف في المدينة العتيقة، فضلاً عن كونه شقيق الراحل الأمين بوخبزة، أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية.
فبعد حصول الحزب في انتخابات 2021 على 2,866 صوتاً وخروجه من السباق البرلماني دون مقعد، عاد في انتخابات 2026 ليحتل المرتبة الثانية بـ 11,909 أصوات، أي بنسبة 18.45% من الأصوات المعبَّر عنها.
ولا يبدو من السهل تفسير هذه العودة بعامل واحد، إذ يمكن قراءة النتيجة من خلال مسارين متوازيين: الأول تنظيمي، والثاني سياسي. فعلى المستوى التنظيمي، واصل الحزب، بعد عودة عبد الإله بنكيران إلى الأمانة العامة خلفاً لسعد الدين العثماني، إعادة بناء حضوره التنظيمي والتواصلي، مع المحافظة على صلاته بالمناضلين والمتعاطفين، والعمل على استعادة جزء من الرصيد الانتخابي الذي فقده في انتخابات.
أما على المستوى السياسي، فقد تبنى الحزب خطاباً معارضاً للعديد من الإجراءات والسياسات غير شعبية، وفي مقدمتها تدبير ملف أسعار المحروقات وقضايا مرتبطة بتداخل المال والسياسة، إلى جانب الحضور الإعلامي المكثف لعبد الإله بنكيران، وخطابه النقدي الحاد تجاه خصومه السياسيين.
ويصعب، بطبيعة الحال، فصل النتيجة التطوانية عن السياق الوطني، غير أن حجم الارتفاع الذي حققه الحزب محلياً يطرح أيضاً سؤالاً حول خصوصية القاعدة الانتخابية التي استطاع استعادتها، ومدى ارتباط ذلك بالرصيد الشخصي للمرشح وبالذاكرة الانتخابية للحزب داخل المدينة.
الطالبي العلمي:صدارة رغم تراجع في الشعبية
في المرتبة الأولى جاء رشيد الطالبي العلمي، وكيل لائحة التجمع الوطني للأحرار، بـ12,835 صوتاً، غير أن قراءة النتيجة بمعزل عن انتخابات 2021 قد تكون مضللة؛ فقد كان الطالبي العلمي قد حصل آنذاك على 26,877 صوتاً، وهو ما يعني أن رصيده الانتخابي عرف تراجعاً كبيراً في 2026، رغم احتفاظه بالمركز الأول.
وتطرح هذه المفارقة سؤالاً مهماً: كيف استطاع المرشح الحفاظ على الصدارة رغم فقدانه عدداً مهماً من الأصوات؟
يمكن تفسير جانب من ذلك بطبيعة التوزيع الجديد للأصوات، وبوجود رصيد انتخابي مستقر نسبياً في عدد من المناطق القروية، فضلاً عن شبكة العلاقات الاجتماعية والسياسية التي راكمها الطالبي العلمي خلال سنوات من موقعه كرئيس لمجلس النواب، إلى جانب ارتباط حزبه بتدبير جماعة تطوان. وبالتالي، فإن استمرار الصدارة لا يعني بالضرورة الحفاظ على القوة الانتخابية نفسها؛ فالرقم المسجل في 2026 يكشف، في المقابل، عن تحول مهم في حجم التأييد الانتخابي الذي كان يحظى به المرشح في الاستحقاق السابق.
أحنين: تجاوز الانتماء الحزبي
احتل محمد العربي أحنين، وكيل لائحة الأصالة والمعاصرة، المرتبة الثالثة بـ9,814 صوتاً، أي بنسبة وكان أحنين قد حصل في انتخابات 2021 على 25,706 أصوات، وهو ما يكشف بدوره عن تراجع كبير في حجم الأصوات التي حصل عليها، مع احتفاظه بمقعده البرلماني وتغيير موقعه من المرتبة الثانية في 2021 إلى المرتبة الثالثة في الانتخابات الأخيرة.
ويعتبر أحنين من الوجوه التي تمكنت من الفوز بمقعد برلماني في أكثر من استحقاق، فقد خاض انتخابات 2016 باسم حزب التقدم والاشتراكية وحل ثالثاً، قبل أن ينتقل إلى الأصالة والمعاصرة ويحصد المقعد الثاني في 2021، ثم الثالث في وتكشف هذه المسيرة عن قدرة انتخابية شخصية لا يمكن اختزالها بالكامل في اسم الحزب الذي يترشح باسمه المرشح، كما تعكس خبرة راكمها أحنين في التخطيط للحملات الانتخابية وتدبيرها، وفي بناء شبكة من العلاقات الانتخابية والاجتماعية2026
بنصبيح وصعود الحركة الشعبية
احتل إبراهيم بنصبيح، وكيل لائحة الحركة الشعبية، المرتبة الرابعة بـ7,034 صوتاً، أي بنسبة وتكتسي هذه النتيجة أهمية خاصة بالنظر إلى أن الحركة الشعبية لم تتجاوز في انتخابات 2021، وفق المعطيات المتاحة، 2,434 صوتاً، لتحتل آنذاك المرتبة السابعة بنسبة %10.87.
وقد التحق بنصبيح بالحركة الشعبية قادماً من الأصالة والمعاصرة، التي منحت تزكيتها لمحمد العربي أحنين. كما أن تجربته في رئاسة المجلس الإقليمي لعمالة تطوان، الذي انتُخب لرئاسته في 28 شتنبر 2021، وفرت له رصيداً من العلاقات والامتدادات المحلية.
وتبرز هذه النتيجة مرة أخرى أهمية العامل الشخصي والمحلي في الانتخابات التشريعية، خصوصاً في المناطق القروية، حيث يمكن لشبكات العلاقات الاجتماعية والانتخابية التي راكمها المنتخبون خلال توليهم مسؤوليات محلية أن تتحول إلى رصيد انتخابي عند خوض الاستحقاقات الوطنية.
من هنا ، لا يمكن قراءة صعود الحركة الشعبية في تطوان بمعزل عن شخصية مرشحها، وطبيعة الشبكة الانتخابية التي استطاع تعبئتها.
الاستقلال يحافظ على مقعده
أما منصف الطوب، وكيل لائحة حزب الاستقلال، فقد احتل المرتبة الخامسة بـ5,077 صوتاً، أي بنسبة وبذلك تمكن من الفوز للمرة الثانية على التوالي، بعدما حصل في انتخابات 2021 على 11,798 صوتاً.
ورغم تراجع عدد الأصوات التي حصل عليها منصب الطوب، فإن النتيجة تكتسي أهمية بالنسبة لحزب الاستقلال، الذي حافظ على حضوره البرلماني في الإقليم، وتمكن أن يبقي أحد مقاعده ضمن الخريطة السياسية المحلية.
كما أن وجود الحزب ضمن التحالف المسير لجماعة تطوان، إلى جانب التجمع الوطني للأحرار، يشكل أحد عناصر السياق السياسي الذي ينبغي أخذه بعين الاعتبار عند تحليل حضوره الانتخابي، وإن كان من الصعب اختزال النتيجة الانتخابية في عامل واحد.
تعدد الفائزين
تكشف النتائج الأولية لانتخابات 2026 بتطوان عن مشهد انتخابي متعدد الأقطاب. فقد توزعت المقاعد الخمسة بين خمسة أحزاب، هي التجمع الوطني للأحرار، والعدالة والتنمية، والأصالة والمعاصرة، والحركة الشعبية، والاستقلال.
وإذا كان من الصعب وصف هذا التوزيع بأنه «متساوٍ» بالنظر إلى الفوارق في عدد الأصوات بين المرشحين، فإن اللافت هو عدم قدرة أي حزب عن اكتساح المقاعد، وبالتالي تحول المنافسة إلى سباق متعدد الأطراف. وهنا تبرز إحدى السمات الأساسية للنتيجة: لم يعد الصراع الانتخابي محصوراً في مواجهة ثنائية أو في هيمنة حزب واحد، بل أصبح موزعاً بين مجموعة من الوجوه واللوائح التي استطاعت كل واحدة منها تأمين قاعدة انتخابية كافية لانتزاع المقعد البرلماني.
هذا المعطى يفتح الباب أمام قراءة أوسع لطبيعة التحولات التي يعرفها المشهد السياسي في الإقليم، ومدى تراجع الوزن النسبي للانتماء الحزبي مقابل أهمية الشخصية المرشحة، وشبكات العلاقات المحلية، والقدرة على التعبئة، خصوصاً في المناطق القروية.
كما أن هذه الظاهرة لا تبدو، في حدود النتائج المتاحة، معزولة عن تطوان وحدها، بل يمكن رصد مظاهر مشابهة من تعدد القوى المتنافسة في عدد من دوائر جهة طنجة-تطوان-الحسيمة.















