في زمن يُباع فيه الضمير في السوق السوداء، يخرج رجل من عباءة الصمت حاملاً قلم الحق وكف المناضل. إنه عزيز غالي، الصيدلي الذي حوّل مفكرته إلى صيدلية لعلاج أوجاع البشرية، والمحامي الذي لا يخشى سوى عار التقاعس.
وُلد في زمن كان المغرب يختنق بين أنياب السلطة والقمع، فلم تكن طفولته كباقي الأطفال.
بين جدران بيت بسيط في القنيطرة، كان يسمع همسات الرجال عن السجون السرية وأصوات تُغتال قبل أن تصل إلى الساحات.
هناك، في زوايا ذلك البيت، بدأ يكتب أول سطور رحلته مع العدالة، مقتنعاً أن الكلمة قد تكون السلاح الأقوى حين تخون السيوف.
انتمى إلى تيار “طلبة الكرس”، تلك الجماعة التي آمنت بأن المقاعد الدراسية قد تكون منصات احتجاج أعتى من أي ميدان.
عام 1991، أسس مع رفيق دربه مصطفى الشافعي “جمعية المعطلين”، كأول صرخة في وجه نظام يُخرج الآلاف من الشباب ليواجهوا مصير البطالة المقنَّع بالصمت.
لكن قلبه الطبي لم ينس أن الظلم مرض يصيب الجسد قبل الروح. بعد حصوله على الدكتوراه في الصيدلة من روسيا عام 1996، لم يكتفِ بوصف الأدوية، بل سافر إلى بؤر الألم العالمية.
في مستشفى “اليرموك” أثناء حرب العراق، كان يُضمّد جروح المدنيين بينما كانت طائرات الغزو تُلقي نارها فوق رؤوسهم.
وعلى حدود فلسطين ولبنان، داخل مستشفى “بنت جبيل”، رأى بأم عينيه كيف يُولد الأطفال تحت أنقاض القنابل. وفي غزة المحاصرة، داخل مستشفى “العودة”، كتب في مذكراته: “هنا، حتى الهواء يُحاسَب على تهمة العبور دون تصريح!”.
في أبريل 2019، تسلّم رئاسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أكبر منظمة مستقلة تواجه انتهاكات الدولة دون مواربة.
وقف أمام القضايا الأكثر إثارة للجدل، مذكراً السلطة بأن “السجون لا تُصلح وطناً”، ورفض أن يكون الإعلام جريمة تُعاقب بالسجن.
حين تحدث عن إضراب ربيع الأبلق عن الطعام، صرخ في وجه العالم: “إنهم يقتلونه جوعاً.. والكل يُغمض عينيه!”. اتهمته الأجهزة الرسمية بـ”العدمية” و”خدمة الأجندات الأجنبية”، لكنه ظل يردد: “لو كان الضمير سلعةً، لاشتريت صمتهم بكل فلس!”.
حاول كسر القيود التي تفرضها أحزاب مثل “النهج الديمقراطي” على الجمعية، مؤمناً أن حقوق الإنسان لا لون لها. قال لـ”بل”: “انفتاح الجمعية على كل الأصوات هو مشروعي..
أما من يخافون من الضوء، فليلزموا أقفاصهم!”. وحين سُئل عن علاقته بـ”إبراهيم غالي” زعيم البوليساريو، ضحك كمن يعرف لعبة التشويه جيداً: “هل يُشترط أن أكون من عائلة بطرس غالي كي أكون مناضلاً؟ الظلم لا وطن له.. والصحراء ليست حكراً على أحد!”.
في أواخر 2024، وقف غالي أمام الميكروفونات كجبل يتحدى الأعاصير. في بودكاست مع “أسامة”، لم يتحدث كرئيس للجمعية، بل كابن غاضب لهذا الشعب المنهك. هاجم بشراسة بيع المستشفيات العمومية للخواص، وكأنه يُنبئ بزمن يُحاسَب فيه الفقراء على أنفاسهم.
فضح سياسة تعويم الدرهم التي حوّلت المواطن إلى متسوّل أمام صندوق النقد الدولي، وكشف عن التعذيب في مراكز الشرطة فكأنه يقرأ من كتاب “ممنوع النشر”. لكن الإعلام الرسمي اختزل خطابه في جملة واحدة: “موقفه من الصحراء!”. نعتوه بـ”الانفصالي”، وكأن الوطن يُختزل في جغرافيا لا في إنسان يموت جوعاً.
تناسوا أنه كان يصف الحل السلمي – حتى لو اختلفت معه – كخيار تفرضه الأمم المتحدة، لا كخيانة.
اليوم، يعمل غالي كخبير في الحماية الاجتماعية، مستمراً في فضح الفقر والاستبداد.
يُكرر مقولته الشهيرة: “أنا لست بطلاً.. أنا فقط رجل يخاف أن يُسأل يوم القيامة: ماذا فعلت حين رأيت الظالم يمر من أمامك؟”. هو ليس مجرد اسم، بل قضية تمشي على قدمين، وقلم يكتب بحبر الدماء لا بالأحبار الزائفة.
في زمن يُباع فيه الصمت بالذهب، يبقى غالي ذلك الرجل الذي يرفض أن يكون ثمنه رخيصاً.
سيقولون عنه الكثير، لكن التاريخ سيتذكر فقط أنه كان الصوت الذي ارتعدت له السلطة، بينما كان الشعب – لمرة – يسمع نفسه يُنطق بصوت عالٍ.















