ليست كل الأسماء تختزل في المناصب، ولا كل السير تروى عبر تواريخ الميلاد والشهادات الجامعية. هناك أشخاص يمكن فهمهم من خلال الأسئلة التي أقلقتهم أكثر من الأجوبة التي قدموها، وأبو بكر الجامعي أحد هؤلاء.
حين تتحدث إليه، لا يبدو كرجل يبحث عن البطولة، بل كرجل ظل يطارد فكرة واحدة طوال حياته: هل يمكن للصحافة أن تكون حرة حقا؟ سؤال بسيط في ظاهره لكنه كان كفيلا بأن يغير مسار حياته بالكامل.
ولد أبو بكر خالد الجامعي سنة 1968 بمدينة الرباط، في بيت لم تكن السياسة فيه موضوعا عابرا، بل جزءا من الحياة اليومية. والده خالد الجامعي، كان أحد أبرز الصحفيين والسياسيين المغاربة، عرف بقلمه الجريء ونقده للسلطة، كما شغل مواقع سياسية داخل حزب الاستقلال، وعاش تجربة الاعتقال في سبعينيات القرن الماضي. أما والدته بديعة براوي، فكانت أستاذة للغة الفرنسية وعملت لاحقا في المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، قبل أن تشغل منصب رئيسة ديوان المستشار الملكي عبد الهادي بوطالب مستشار الملك الحسن الثاني.
تزوج لاحقا من ليلي آيت حميتي، وعرف بتدينه الشخصي مع تبنيه موقفا مؤيدا لفصل الدين عن الدولة، وهو موقف عبر عنه في عدد من مقالاته وحواراته.
في هذا البيت، تعلم أبوبكر أن الكلمة ليست وسيلة للتعبير فقط بل مسؤولية نتقيد بها. غير أن اختياره الأول لم يكن الصحافة، بل كان الاقتصاد والأعمال حيث التحق بالمعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات (ISCAE) وتخرج منه سنة 1993، قبل ان يواصل تكوينه في جامعة اوكسفورد ثم في كلية كينيدي بجامعة هارفارد. وبعد عودته إلى المغرب أسهم في تأسيس “Upline Securities”، إحدى أوائل مؤسسات الاستثمار والوساطة المالية المستقلة بالمغرب. كان شابًا واعدا في قطاع المال، شارك في ملفات اقتصادية كبرى، من بينها عمليات الخصخصة التي عرفها المغرب خلال التسعينيات، كما عمل مستشارا في الأمانة التنفيذية للقمة الاقتصادية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
كل المؤشرات كانت توحي بأن مستقبله سيكون في عالم البنوك والاستثمارات، بوظيفة مرموقة، دخل مرتفع، ومسار مهني واضح. لكن شيئا ما بداخله كان يدفعه إلى مكان آخر لم تكن الأرقام تشبع فضوله، ولا الأعمال تشعره بأنه يؤدي رسالته. كان يرى أن المجتمع يحتاج إلى إعلام يسائل السلطة وصحافة حرة تنحاز للحقيقة، بقدر حاجته إلى اقتصاد قوي.
في سن التاسعة والعشرين اتخذ قرارا مصيريا حين انتقل إلى الصحافة، وأسهم سنة 1997 في تأسيس أسبوعية “لو جورنال إبدومادير” بالدار البيضاء، مستلهما تجربتها التحريرية من صحيفة “إل باييس” الإسبانية. وبعد عام واحد فقط، أطلق النسخة العربية “الصحيفة الأسبوعية” بهدف الوصول إلى جمهور أوسع داخل المغرب.
وسرعان ما أصبحت المطبوعتان من أبرز المنابر المستقلة بفضل ملفاتهما الجريئة وتحقيقاتهما السياسية والاقتصادية، ما وضعهما في قلب النقاش العمومي، وفي الوقت نفسه في مواجهة مستمرة مع السلطات.
تميزت تجربة الجامعي الصحفية بمواقف نقدية تجاه السلطة خصوصا خلال عهد الملك محمد السادس، إذ اعتبر أن وتيرة الإصلاحات السياسية والديمقراطية ظلت محدودة، ما أدى إلى تعرض صحيفتاه لسلسلة من الضغوط، شملت المنع من الطباعة، والمتابعات القضائية، وأحكاما في قضايا تشهير وتعويضات مالية كبيرة، وهو ما أدخل المؤسستين في أزمة مالية خانقة انتهت بتوقفهما نهائيا سنة 2010.
حظي الجامعي بتقدير دولي على خلفية دفاعه عن حرية الصحافة، إذ منح سنة 2003 جائزة لجنة حماية الصحفيين الدولية لحرية الصحافة، التي تمنح للصحفيين الذين يواصلون عملهم رغم الضغوط والمخاطر، ثم اختير سنة 2004 ضمن برنامج “Yale World Fellows” بجامعة ييل الأمريكية، وهو برنامج يضم شخصيات قيادية من مختلف أنحاء العالم.
عمل لاحقا بعد تجربته الصحفية، كأستاذ باحث في جامعة سان دييغو بالولايات المتحدة الأمريكية حيث درس السياسة المعاصرة، وعمل مستشارا مستقلًا في إسبانيا، قبل أن يستقر سنة 2014 في جنوب فرنسا، حيث يشغل عميدا لكلية الأعمال والعلاقات الدولية بالكلية الأمريكية للبحر الأبيض المتوسط في “The American College of the Mediterranean”، ويشرف على برامج تعليمية وتكوينية في الإدارة والعلاقات الدولية. صحيح انه انتقل من غرف التحرير إلى قاعة المحاضرات، لكنه لم يغادر يوما عالم الفكر.
اليوم، وبعد مسار امتد بين المال والإعلام والجامعة، يبقى أبوبكر الجامعي أحد أكثر الأسماء إثارة للنقاش في المشهد الإعلامي المغربي؛ فبين من يعتبره رائدا للصحافة المستقلة، ومن ينتقد مواقفه السياسية، يظل صداه الفكري والإعلامي حاضرا في النقاش حول حرية التعبير، ومستقبل الإعلام، والإصلاح السياسي في المغرب.















