* محمد دحاني
بينما كان الجميع في هذه الأرض الطيبة يتابعون بشغف مواجهة المغرب للبرازيل في نهائيات كأس العالم 2026، كانت الساعات الأخيرة من فترة التسجيل في اللوائح الانتخابية تلفظ أنفاسها، لتنتهي رسميا عند تمام الساعة الثانية عشر ليلا من يوم السبت 13 يونيو 2026.
ورغم امتداد هذه الفترة لما يقارب الشهر تقريبا (ابتداء من 15 ماي وإلى غاية 13 يونيو 2026)،
فقد امتازت هذه المراجعة الاستثنائية ببرود ملحوظ على مستوى حضور أهمية القيد في اللوائح الانتخابية في فعل المشاركة السياسية، في النقاش العمومي والمجتمعي، سواء في الإطارات الإعلامية الرسمية أو الخاصة، أو حتى في أدوات الإعلام المجتمعية، بل حتى المجموعات التي تعتبر نفسها تعبر عن ما يسمى بجيل زاد، الذي حرك قليلا مياه السياسة الراكدة بالمغرب في السنة الأخيرة، غابت عن هذا النقاش وغاب عنها.
وهذه البرودة الملحوظة مسؤولية مشتركة لمختلف الأطراف المعنية بها، الدولة والأحزاب السياسي والفاعلين المدنيين والحركات الاجتماعية، وسنحاول تحليل سلوك هؤلاء الفاعلين من خلال الأسطر الموالية:
الدولة: رغم الوعود التي قدمتها وزارة الداخلية من أن المراجعة الاستثنائية ستواكب بحملة إعلامية وتوعية من أجل تحفيز غير المسجلين في اللوائح الانتخابية للتسجيل بها، فالمسجل وبغض النظر عن الملاحظات التي يمكن إبداؤها بخصوص المحتوى البصري لبعض الإعلانات، خاصة في ما يتعلق بمدى عكسها للهوية المغربية في أبعادها الثقافية والدينية، فإن هذه الحملة عرفت خفوتا من حيث وثيرتها وتنوعها، لا سيما مع تزامنها مع نقاشات مجتمعية أكثر سخونة تتعلق بغلاء أضاحي العيد ونذرتها، فضلا عن استعدادات المنتخب الوطني لكأس العالم، زد على ذلك الامتحانات الإشهادية السنوية.
وهنا يمكن القول، إن الدولة غير متحمسة لقيد كتلة كبيرة من الناخبين، رغم الخطاب الرسمي الذي يعاكس ذلك، فهي لا تملك إلا أن تصرح بذلك، فالتوازن السياسي والانتخابي الذي تسعى إلى الحفاظ عليه لا يمكن ضمانه إلا من خلال كتلة ناخبة متحكم فيها من حيث العدد والنوع، ومن شأن الأجيال الجديدة أن تحدث زلزال انتخابي قد يحد من أدوات الدولة ووسائلها في الضبط الانتخابي والسياسي.
الأحزاب السياسية: باستثناء حزب واحد أو اثنين على أبعد تقدير، لم تساهم الأحزاب السياسية بالشكل المطلوب في تحفيز المواطنين والمواطنات على القيد في اللوائح الانتخابية العامة، وانغماسها في النقاشات السياسية ذات الصلة بغلاء الأضاحي من جهة، ومن جهة أخرى، انشغالها بإعادة تنظيم صفوفها من أجل اختيار المرشحين المحتملين للانتخابات المقبلة أو استقطابهم، والتي يغلب عليها طابع التنافس في استقطاب الأعيان والكائنات الانتخابية.
بالنسبة للأحزاب السياسية، ولنقل لأغلبها، تتماهى مع موقف الدولة، وترغب في الحفاظ على نفس الوضع الذي تضمنه الكائنات الانتخابات والأعيان، وبالتالي كتلة انتخابية أقل، يساعد في توجيهها وتحديد مسارات تصويتها. وهذا تستنفذ جهدها في الصراع حول من يستطيع ترويد الكتلة الانتخابية، أو من يمتلك خزانا انتخابيا جاهزا، وبالتالي تعفي نفسها من أي مجهود فكري أو تنظيمي في صياغة برامج انتخابية من جهة، ومن جهة أخرة تعفي نفسها من أي مجهود تواصلي لإقناع الناخبين والناخبات للتصويت على برنامجها الانتخابي.
المجتمع المدني: شهدت عدد من الاستحقاقات الانتخابية السابقة قيام حركات وجمعيات تحت شعارات وعناوين مختلفة، بحملات إعلامية وتوعية، لا سيما عبر وسائط التواصل الاجتماعي، غير أن المسجل هو تراجع هذه الأدوار، إن لم نقل اختفائها، باستثناء ما يتعلق بدعوات فردية للقيد في اللوائح الانتخابية، إيمانا من أصحابها بأن الصندوق هو أفضل وسيلة للتعبير عن المواقف والآراء وحتى الغضب، من خلال اختيار الأشخاص المناسبين، أو معاقبة من أخلفوا وعودهم للناخبين.
الحركات الاجتماعية (جيل زاد): هذا الجيل الذي رفع مطالب شعبية شرعية ومشتركة بين جميع فئات المغاربة، معتبرا الاحتجاج السلمي أحد أدوات تحقيقها، معلنا احترامه للمؤسسات الدستورية للدولة وعلى رأسها المؤسسة الملكية، بمعنى ايمانه بالتغيير السلمي، والقدرة على التأثير على الفعل العمومي بالأدوات السلمية، كان من المتوقع أن يقود حملة شرسة لتشجيع الفئات الشابة التي يمكن القول بأن غالبيتها العظمى غير مسجلة في اللوائح الانتخابية، وبالتالي نقل الاحتجاج من الشارع إلى صناديق الاقتراع.
قد يقول البعض إن الايمان بقدرة التغيير من داخل صناديق الاقتراع شبه معدوم، لدى فئات واسعة من هذه الشريحة والمجتمع الانتخابي عموما، وهذا مبرر مقبول نسبيا، نتيجة تراكمات وترسبات لممارسات من الافساد والتزوير التي طبعت أغلب الاستحقاقات الانتخابية. ولكن، خيار المقاطعة ليس بالشيء الجديد، ومع ذلك يكاد يكون أثره معدوما، فما الحل في هذه الحالة؟ هل ترك المجال فارغا للآخر هو الحل؟ والحالة هاته، سيعيد الفساد الانتخابي والسياسي والاقتصادي انتاج نفسه، تحت أسماء وعناوين أخرى ومن ثم تستمر الحكاية.
وفي الختام، يكفي أن تعرف بأن عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية بين سنتي 2021 وسنة 2026 تراجع من 17.5 مليون ناخب وناخبة، إلى 15.8 مليون ناخب وناخبة، في منحى يعاكس ارتفاع عدد ساكنة المغرب. لتتضح لك الصورة، بأن لا أحد يريدك أن تصوت، لا أحد يريدك أن تختار، الجميع يرديك أن تستمر في صمتك وخنوعك وخضوعك، الجميع يردك أن تتقوقع على نفسك، منزويا في بيتك، منشغلا بقوت يومك. لتترك لهم المناصب والمكاسب والوطن.
شارك، فقط لأنهم لا يريدونك أن تشارك. وتذكر، فمهما أظهروا لك أنهم يريدونك أن تشارك، فأقصى أمانيهم ألا تشارك.















