لوبوكلاج : نبيلة المعتصم
بينما كنت هذا اليوم على متن الحافلة المتجهة إلى قرية بني مسعود، لم أكن أتوقع أن أجد نفسي أمام مشهد يختزل وجع وطن بأكمله.
شباب وشابات في عمر الزهور يركضون أفرادا وجماعات، وأسرة تنزح بأكملها أب وأم وأطفال، لا يحملون أمتعة بل يجرون بخطواتهم السريعة أحلاما مؤجلة .
بعض الشباب و منهم قاصرين كانوا يحاولون التشبث بشاحنة اسمنت غير آبهين بخطر الموت الذي قد يسحقهم ،فقط حتى لا تلتقطهم أعين الشرطة التي كانت منتشرة في الطريق.
لمحت رجل شرطة كان يتصبب عرقا كان الله في عونه فلا أحد يتمنى أن يكون في ذلك الموقف ،فكيف سيقنع هذا الأخير قاصرا بالعدول عن طريق التهلكة، بل كيف سيقنع أسرة تجر أطفالها معها بالعودة!
على امتداد الطريق، كانت مطاردات الكر والفر تتواصل، عبر المسالك الغابوية المؤدية إلى طريق نوينويش والمريسات ، تحركت الحافلة قليلا بعدما كانت عالقة وسط توقف كلي لحركة السير ،ليبدو مشهد حريق يبدوا كما لو أنه مفتعلا في جزء صغير من غابة صغيرة على الجانب الأيمن من الطريق على بعد أمتار قليلة من نقطة المراقبة الأمنية ، مشهد واحد جمع بين احتراق الأشجار و احتراق القلوب!
ومع صعود الحافلة في الطريق المؤدية إلى نوينش ظهر عدد الشباب الذين كانوا قد فروا عبر أحد المسالك الغابوية وهم يخرجون من الغابة ، فيما كانت تنتظر بعضهم سيارت على الجهة الأخرى من الطريق.
كل هؤلاء لم يكونوا يفرون من حرب أو قصف ولا من كارثة طبيعية، بل كانوا وفق ما كان متداولا يسلكون طريق الهجرة بحثا عن أفق يعتقدون أنه أكثر رحمة من واقعهم. ويبدو أن ما زاد من اندفاعهم هي المشاهد التي انتشرت عن تمكن عدد كبير من المهاجرين من الوصول إلى سبتة بحرا في اليوم السابق، و تمكن آلاف الآخرين من اجتياز الحاجز برا صباح هذا اليوم، فهب كثيرون على أمل أن يحالفهم الحظ هم أيضا.
لم أتخيل يوما أن أرى هذا المشهد وأنا في طريقي إلى القرية الساحليةالتي اعتدت أن أقضي فيها العطلة.
كان مشهدا موجعا حد البكاء لأطفال وشباب و نساء يختلط فيه اليأس بالأمل و بالمجازفة !
ظللت طوال الطريق أفكر إلى أي حد بلغ الإحباط حتى أصبح طريق المجهول خيارا للكثيرين؟ كيف سيصل هؤلاء إلى القصر الصغير أو تطوان ومنها إلى مدينة سبتة المحتلة ؟
يا للمفارقة دخلوها نازحين لا محررين !