تشهد الساحة السياسية المغربية تصاعدًا لافتًا في الدينامية الترافعية التي تقودها هيئات المجتمع المدني والائتلافات النقابية بالتزامن مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية التشريعية المقرر إجراؤها في 23 سبتمبر/ أيلول الحالي. وتتكتل هذه الهيئات لممارسة ضغط متزايد على الأحزاب السياسية المشاركة في التنافس الانتخابي، عبر توجيه مذكرات ورسائل مفتوحة ترسم خطوطًا عريضة لأولويات المرحلة التنموية القادمة، وتضع صانعي القرار السياسي أمام مسؤولياتهم تجاه قضايا الحريات والممارسات التمييزية والنهوض بالقطاعات الاجتماعية والاقتصادية الحيوية.
وفي صدارة هذه التحركات الترافعية، وجهت فوزية العسولي، الرئيسة الشرفية لـ»فدرالية رابطة حقوق النساء»، رسالة مفتوحة إلى قادة أحزاب التحالف الحكومي (التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة، والاستقلال)، وجهت فيها انتقادات صريحة لما اعتبرته قصورًا في البرامج الانتخابية لهذه الأحزاب بشأن التمكين الاقتصادي للمرأة. ودعت العسولي قيادات هذه الأحزاب إلى تقديم التزامات واضحة وآليات عمل إجرائية لرفع معدل النشاط الاقتصادي للنساء ليلائم هدف النموذج التنموي الجديد المحدد في 40 في المئة بحلول سنة 2030؛ مطالِبةً حزب التجمع الوطني للأحرار بالكشف عن التدابير العملية لتأمين استفادة النساء من فرص الشغل الموعودة، وحزب الاستقلال بتوضيح خطته بالأرقام لمعالجة العوائق التي تحول دون وصول النساء إلى ملكية الأراضي والمقاولات، ومؤكدة أن التفاعل الفعلي للأحزاب مع هذه المطالب سيكون حاسمًا في تقييم الناخبين لبرامجها، بعيدًا عن الاكتفاء بالترشيح والأنشطة الرمزية.
من جانبها، كشفت «الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب» أن مواكبة السياق الانتخابي الحالي أظهرت استمرار الاختلالات والفجوات المرتبطة بمشاركة النساء في الحياة السياسية، سواء على مستوى الترشيحات أو التمكين والمواكبة الحزبية. وأوضحت الجمعية أن البيانات الأولية التي أعقبت إعلان وزارة الداخلية عن لوائح الترشيح المودعة، رصدت ضعفًا بليغًا في الترشيحات النسائية، ولا سيما ضمن اللوائح المحلية التي لم ترقَ إلى مستوى التطلعات، مقابل الاكتفاء باللوائح الجهوية المخصصة للنساء، فضلًا عن بروز مظاهر الاعتماد على «العنف السياسي» بدل التمكين السياسي الفعلي.
على مستوى القطاع التربوي والاجتماعي، امتدت مطالب الهيئات النقابية لتسليط الضوء على قطاع التعليم الأولي باعتباره ركيزة أساسية في المسار الدراسي للطفل وبرنامجًا وطنيًا واستراتيجيًا في بناء الإنسان. في هذا السياق، وجهت «اللجنة الوطنية للمشرفين التربويين والأطر الإدارية للتعليم الأولي»، التابعة للجامعة الوطنية للتعليم «التوجه الديمقراطي»، رسالة للأحزاب السياسية تتساءل فيها عن مصير وأوضاع أكثر من 60 ألف عاملة وعامل بهذا القطاع. وتحت عنوان «من مغرب بسرعتين إلى تعليم بسرعتين»، حذرت اللجنة من انتقال التفاوتات المجتمعية إلى المنظومة التعليمية والمهنية، داعية الأحزاب إلى التعهد بتحسين ظروف العمل وتوفير الوسائل الضرورية وتسوية الأوضاع الإدارية والقانونية والمهنية للعاملين، تحقيقًا لمبدأ الإنصاف وتكافؤ الفرص داخل المنظومة التربوية.
ولم تقتصر المطالب على الشق الاجتماعي والاقتصادي، بل امتدت لتشمل حماية الحريات العامة ومواجهة الممارسات الإدارية المقيدة لتأسيس الجمعيات؛ حيث طالبت جمعيات وائتلافات مدنية موقعة على «دينامية إعلان الرباط» الأحزاب بجعل حماية حرية العمل الجمعوي التزامًا سياسيًا وتشريعيًا ومؤسسيًا قابلًا للتتبع والقياس.
وسجلت المذكرة الترافعية استمرار العديد من العراقيل الإدارية، كامتناع بعض الجهات عن تسلم ملفات التأسيس أو التجديد، والتأخر في تسليم الوصل النهائي، وعدم منح الوصل المؤقت فورًا، فضلًا عن طلب وثائق غير منصوص عليها قانونًا وربط الملفات بأبحاث مسبقة. واعتبرت الهيئات المدنية أن هذه الممارسات تحول نظام التصريح المكفول دستوريًا إلى ترخيص إداري مسبق يمس الأمن القانوني، مشددة على ضرورة التزام الإدارة بالمساطر والآجال القانونية، مقابل التزام الجمعيات بمبادئ الشفافية والحوْكَمة.















