* الدكتور أنوار قورية – خبير في الذكاء الترابي والحكامة الرقمية
لم يكن الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد مجرد استعراض لحصيلة السنوات الماضية، بل جاء ليؤسس لمرحلة جديدة في مسار المملكة المغربية، عنوانها تثبيت المكتسبات، وتعزيز الدولة الاجتماعية، ومواصلة الإصلاحات الكبرى في ظل الاستقرار السياسي والمؤسساتي الذي راكمه المغرب.
منذ مستهل الخطاب، برز البعد الإنساني في العلاقة بين العرش والشعب، حيث أكد جلالة الملك محمد السادس نصره الله أن قيادة الشعب أمانة عظيمة ومسؤولية جسيمة، في رسالة تعكس استمرار المقاربة القائمة على خدمة المواطن باعتبارها جوهر ممارسة السلطة، بعيدا عن منطق البحث عن الأدوار الإقليمية أو المجد السياسي، بقدر ما ينصب الاهتمام على بناء نموذج تنموي قوي يخدم المغاربة ويعزز مكانة المملكة.
الرسالة الثانية التي حملها الخطاب تتعلق بإعلان دخول المملكة المغربية مرحلة فاصلة في مسارها التنموي، فالمؤشرات التي استعرضها جلالة الملك تؤكد أن بلادنا انتقلت من مرحلة إرساء البنيات الأساسية إلى مرحلة تعظيم أثرها الاقتصادي والاجتماعي، وهو ما يجعل السنوات المقبلة حاسمة في تحويل المشاريع الكبرى إلى نتائج ملموسة تنعكس مباشرة على حياة المواطنين، كما أعاد الخطاب الملكي التأكيد على أن الأمن والاستقرار يشكلان حجر الزاوية في أي مشروع تنموي، فالنجاعة التي أبانت عنها مؤسسات الدولة، إلى جانب الاستقرار السياسي والأمني الذي تنعم به المملكة، لم تعد مجرد معطى داخلي، بل أصبحت رصيدا استراتيجيا مكن المغرب من جذب الاستثمارات وتعزيز ثقته لدى الشركاء الدوليين، رغم التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، وفي هذا السياق، حملت الإشارة إلى أن نجاحات المغرب “أثارت غيرة البعض أحيانا” رسالة واضحة مفادها أن المملكة المغربية ستواصل مسارها بثقة، دون الالتفات إلى محاولات التشويش أو التقليل من حجم الإنجازات.
اقتصاديا، كشف الخطاب الملكي عن ملامح نموذج اقتصادي متجدد يقوم على تنويع مصادر النمو وعدم الارتهان للقطاعات التقليدية فقط، فقد حضرت الفلاحة والصناعة باعتبارهما ركيزتين أساسيتين، إلى جانب قطاعات المستقبل، وفي مقدمتها الابتكار، والبحث والتطوير، والطاقات المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والصناعات الدفاعية، والأمن السيبراني… ويعكس هذا التوجه إرادة واضحة لجعل المغرب فاعلا في الاقتصاد العالمي الجديد، وليس مجرد متلق للتغيرات الدولية.
وفي البعد الاجتماعي، واصل الخطاب الملكي تثبيت مفهوم الدولة الاجتماعية من خلال التركيز على التنمية البشرية، وتعميم ورش الحماية الاجتماعية، وتسريع برامج التنمية الترابية المندمجة، بما يضمن تقليص الفوارق المجالية وتحقيق العدالة المجالية والاجتماعية، وهي رسالة تؤكد أن نجاح المشاريع الاقتصادية لن يكتمل إلا إذا انعكس على تحسين جودة حياة المواطنين في مختلف جهات المملكة.
أما على المستوى الدبلوماسي، فقد جدد الخطاب السامي التأكيد على خيار تنويع الشراكات الدولية بما يخدم المصالح العليا للمملكة ويضمن نجاح توجهاتها الاستراتيجية، ويعكس هذا التوجه استمرار السياسة الخارجية المغربية القائمة على الانفتاح، وتعدد الشركاء، وبناء علاقات متوازنة قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
سياسيا، حمل الخطاب رسالة استشرافية مرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة، إذ بدا واضحا أن المرحلة التالية ستكون مرحلة تثمين المكتسبات، ومواصلة الأوراش والإصلاحات الكبرى، بما يعزز فعالية المؤسسات ويرفع من جودة السياسات العمومية، في إطار استمرارية الدولة وليس بمنطق القطيعة مع ما تحقق، ولم يفت جلالة الملك أن يوجه التحية والتقدير إلى مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية والترابية، اعترافا بما تبذله من جهود في حماية أمن الوطن والدفاع عن وحدته الترابية وصيانة استقراره، وهو ما يعكس المكانة المحورية لهذه المؤسسات في الحفاظ على المكتسبات الوطنية وتوفير المناخ الملائم للتنمية.
وأخيرا، يمكن القول أن الخطاب الملكي السامي بهذه المناسبة الوطنية، رسم معالم مرحلة جديدة قوامها الانتقال من منطق الإنجاز إلى منطق تعظيم الأثر، ومن بناء المشاريع إلى تحقيق نتائجها الاجتماعية والاقتصادية، مع التأكيد على أن الاستقرار، وقوة المؤسسات، وتنويع الاقتصاد، والدولة الاجتماعية، والانفتاح على الشراكات الدولية، ستظل المرتكزات الأساسية التي سيواصل المغرب البناء عليها خلال السنوات المقبلة.














