الحكم الذاتي مفهوم نظري عام وخيار تنظيمي، يحصل بموجبه إقليم او مجموعة أقاليم داخل دولة ما على صلاحيات واسعةبعيداعن الوصاية المركزية، وفق شروط تكون موضوع توافق سياسي او قانوني أو هما معا بين الدولة والاقليم.

هناك عدد من المفاهيم التي تتداخل
مع مفهوم الحكم الذاتي، وكثيرا ما يتم الخلط بينها وبين هذا المفهوم، نظرا لتداخل أبعادها واستدعاء
أحدهما الآخر، سواء على الصعيد الفكري او الصعيد التطبيقي، ومن هذه المفاهيم : مفهوم الاستقلال الثقافي الذاتي، واللامركزية الإدارية، والادارة الذاتية ، والحكم المحلي ؛ ومصدر هذا التداخل يكمن في ترابط وتشابك المهام والاحتياجات، والدائرة المشتركة لأبعاد المشكلات التي تطرح هذه المفاهيم لمعالجتها، ورغم ذلك فإن لكل من هذه المفاهيم دلالات مستقلة وخصائص متميزة وأبعاد مختلفة في التطبيق من الناحية القانونية والدستورية .
أما نماذج الحكم الذاتي في العالم فكثيرة ومتعددة،وحجم الصلاحيات التي تتمتع بها الأقاليم موضوع الحكم الذاتي يختلف من حالة إلى أخرى، ويخضع للتطور بشكل مستمر ومتواصل.
يمكن ان نقول أن كل الدول ذات ساكنة كبيرة أو ذات أعراق وإثنيات ولغات وثقافات متنوعة، تتبنى نموذج الحكم الذاتي جزئيا او كليا،
ويمكن ان نقسم نماذج الحكم الذاتي إلى ثلاث نماذج أساسية:
*1ـ فيدراليات على قاعدة قانونية*
يعتبر الحكم الذاتي في النظام السياسي الفيدرالي هو اللبنة الأساسية التي بني عليها هذا النظام، إذ أن مبدأ المساواة متوفر بين الأقاليم المشكلة للفيدرالية بحكم التنصيص على ذلك في الدستور، لأن العوامل الأكثر حسما في تبني النظام الفيدرالي هي : خصوصية المناطق والاقاليم، وتنوع أوضاعها الجغرافية والاقتصادية، وقدرة مواطنيها ومؤسساتها الإقليمية على تلمس هذه الأوضاع والاحتياجات أكثر من المؤسسات المركزية القائمة في العاصمة، وكذلك توزيع السلطات والصلاحيات على المستوى العمودي بين الحكومة المركزية والحكومات المحلية. وأبرز الدول التي تتبنى هذا النموذج نذكر من أوربا :
(سويسرا ،وألمانيا ، وبلجيكا والنمسا والبوسنةوالهرسك ) ، ومن الأمريكيتين 🙁 الارجنتين و فنزويلا والبرازيل والمكسيك وكندا والولايات المتحدة )،ومن افريقيا
نذكر:(نيجيريا وإيثيوبيا وجزر القمر والسودان ) ، ومن آسيا نذكر :
(الإمارات العربية المتحدة و العراق وباكستان والهند وماليزيا والاتحاد الروسي )
*ـ1ـ فيدراليات على قاعدة سياسية*
تمنح بعض الدول أقاليمها حكما ذاتيا، كما هو معمول به في الدول الفيدرالية، ولكن سحب هذ٥ الصلاحيات وارد في كل لحظة لأن دساتيرها لا تتبنى الحكم الذاتي وإنما الواقع يفرض ذلك، من هذه الدول نذكر:( اسبانيا والصين الشعبية)
فإذا أخذنا على سبيل المثال دولة إسبانيا نجد ان الحكم الذاتي الذي تتمتع به أقاليم مثل الباسك او كاتالونيا او غاليسيا هو شبيه بما يوجد في أنظمة فيدرالية كالولايات المتحدة او الهند او ألمانيا مثلا ، ولكن يختلف عنهم في نفس الآن بحكم ان الدولة المركزية في إسبانيا بإمكانها منع ذلك قانونيافي اي لحظة وإن كان من الصعب تحقيق ذلك المنع سياسيا، فالأمر يكاد يكون كأننا أمام دولة فيدراليةبحكم الواقع.
*ـ1حكم ذاتي خارج النظام الفيدرالي*
من المعايير المتفق حولها، في إطار القانون الدولي ، ان الحكم الذاتي يتمركز حول مسألتين اثنتين:
ـ *الاولى* ، انتخاب حاكم الاقليم دون تعيينه من قبل السلطة المركزية.
ـ *التانية* ، وجود برلمان محلي خاص منتخب مباشرة من لدن ساكنة الاقليم.
نجد هذا النوع من الحكم الذاتي في كل من جنوب أفريقيا، والمملكة المتحدة ؛ فليس هما من الأنظمة الفيدرالية على قاعدة قانونية، وليس هما من الأنظمة الفيدرالية على قاعدة سياسية : إنه نموذج خاص .
من هنا يتبين أن الحكم الذاتي هو وسيلة لإشباع تطلعات الطبقات السياسية والنخب في الأقاليم والجهات، أو تعميق العملية الديمقراطية وتوسيع هامش المشاركة السياسية في صنع القرارات، وتسريع وتيرة النمو والاستجابة للمشكلات النوعية المحلية وتنظيم علاقات الجهات بالسلطة المركزية في إطار الوحدة الوطنية المستوعبة للتطلعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في إطار برنامج وطني واسع يحول دون نمو أسوار العزلة، ونزعات التطرف، ومزالق الانفصال.















