أعلن موقع «أبجد» وهو من أهم المواقع العربية المختصة بالكتب والقراءة الإلكترونية، نتائج «تحدي القراءة» الذي طرحه على مشتركيه في الفترة الفائتة، والنتيجة كانت مثيرة للعجب، وربما بعض السخرية، إذ قرأ المشاركون بالمسابقة عدداً هائلاً من الصفحات والكلمات في فترة قصيرة جداً،
أكبر من قطر الكرة الأرضية؛ أما ارتفاع الكتب المقروءة فوق بعضها، لو كانت ورقيّة، فأعلى من «برج خليفة» في الإمارات بمرة ونصف المرة، ومن الهرم الأكبر بتسع مرات، حسبما أعلن الموقع نفسه في صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي.
ليست هذه «قراءة» بالطبع، كما أكد كثير من المعلّقين على المسابقة، فالتعامل مع الكتب واستيعابها، والقدرة على التعاطي معها بشكل نقدي، لا تُقاس بالكم ولغة الأرقام، بل عملية «معرفيّة» أكثر تعقيداً من هذا بكثير، وما فعله «أبجد» ليس إلا أسلوباً تجارياً للدعاية والترويج، يتناقض مع جوهر «القراءة» نفسها.
لكنّ هذا النقد يطرح أسئلة كثيرة بدوره، فنظريات «القراءة» بوصفها مفهوماً فلسفياً، شديدة التعقيد، وتدخل في عمق الأبستمولوجيا والهرمنيوطيقا (علم التأويل) والسيسيولوجيا والأنثروبولوجيا، وغيرها من العلوم الإنسانية،
ولذلك فإن إطلاق الأحكام حول جوهر «القراءة» الذي خالفه «أبجد» ليس بالأمر الهيّن؛ دعك من أن تعبيرات مثل «عملية معرفيّة» لا معنى كبيراً لها، لأنها لا تحدد بدقة المستوى الذي تتحدث عنه،
ولا ندري بالضبط الجذر الذي تسرّبت منه إلى اللغة للعربية (الأبستمولوجيا أم البيداغوجيا أم علوم الإدراك، أم هي ترجمة غير دقيقة لمفردة Cognition الإنكليزية) وربما لذلك فمن الأجدى أن نفكّر بهذا النوع من «تحديّات القراءة» بعيداً عن أحكام القيمة «المعرفية» واللجوء إلى بعض النظريات السيسيولوجية عن القراءة، التي يمكن الإمساك بها بشكل فعلي.
قد يكون كتاب «كيف نتحدث عن الكتب التي لم نقرأها؟» للمفكر الفرنسي بيير بايار، أحد أشهر وأهم المراجع المترجمة للغة العربية، التي تحاول صياغة نظرية عن القراءة، معتمدةً على تراث طويل من الفلسفة الفرنسية حول المفهوم، من لويس ألتوسير وحتى جيل دولوز.
كثيرون «قرأوا» في الكتاب محاولةً طريفة لمعالجة ثنائية القارئ/اللاقارئ؛ الكتب التي نقرأها، والكتب التي نتحدث عنها دون أن نقرأها، أو بعد أن ننساها، فيما قد يكون التركيز على مفهوم «المكتبة الاجتماعية» الذي طرحه بايار، أكثر إفادة: القراءة ليست مَلَكة أو موهبة فردية، أو سمة إيجابية، تعطي أفراداً معينين قدرات فكرية وثقافية وإبداعية أكبر،
بل أقرب للماكينة الاجتماعية، التي تعطينا، عبر قنوات ثقافية وتعليمية مختلفة، سياقاً وترتيباً عاماً للكتب والمؤلفين والأعمال الكلاسيكية؛ وتحكم فهمنا وتأويلنا وجدلنا حول النصوص المؤسِّسة لعالمنا الثقافي والاجتماعي. وبالتالي فالأكثر فائدة التساؤل عن «تحديات القراءة» بوصفها جزءاً من «الماكينة» السائدة حالياً. أي مفهو اجتماعي للقراءة، يمكن حسابه بأطوال الهياكل العملاقة، مثل الهرم و»برج خليفة»؟ وماذا تبقّى من القراءة في العالم العربي؟
الماكينة والشغف
ربما يجب التمييز في البداية بين القراءة بوصفها فعلاً اجتماعياً، و«فيليا الكتب» فالأخيرة نوع من الشغف، الذي قد يكون في بعض الحالات اضطراباً نفسياً، بالكتب ومظهرها؛ وبأجواء القراءة، بما فيها من رومانسيات العزلة والشعور بالتميّز والاستحقاق. وهي أحياناً نوع من الانسحاب الاجتماعي إلى عوالم خيالية أو منطقية مجرّدة، أو طريقة لتزجيّة الوقت، وقد لا يكون هواتها من أفضل المتحدثين عن الكتب وأفكارها، سواء التي قرأوها أو التي لم يقرأوها.
أما الفعل الاجتماعي للقراءة فهو سياق معقد، له «بنيته التحتية» من مؤسسات ثقافية وتعليمية وإعلامية وبحثيّة، ينقل قيماً وأفكاراً ورموزاً تواصلية لعموم الناس، عن طريق تأويل أو تأويلات معيّنة، مرتبطة بشرط سياسي وتاريخي، لنصوص تأخذ موقعها في إنتاج مدنيّة زمن ما. لستَ مضطراً لأن تكون ضليعاً بعلوم القرآن كي تستخدم جملة «هذه بضاعتنا ردّت إلينا»؛
أو قارئاً لملحمة «دون كيخوته» لثيربانتس كي تردد عبارة «محاربة طواحين الهواء» فهي باتت جزءاً من اللغة العمومية، عبر جهاز ضخم للقراءة والتأويل وإنتاج المعنى ونشره، يشارك فيه آلاف منتجي الثقافة، من معلّمين وصحافيين وكتّاب وفنانين.
ليست مسابقات مواقع مثل «أبجد» الحملات الأولى من نوعها لترويج القراءة في العالم العربي، بل سبقها كثير من المبادرات، و»المشاريع القومية» التي لم تكن لها أغراض تجارية، بل سياسية/أيديولوجية غالباً، من الأمثلة الشهيرة مشروع «مكتبة الأسرة» الذي أشرفت عليه سوزان مبارك، السيدة الأولى في مصر سابقاً، فضلاً عن عشرات الحملات، التي نظّمتها وزارات الثقافة والتربية والأوقاف في الدول العربية المختلفة.
إلا أن القراءة ليست مجرد تلقٍ سلبي لما ينتجه «الجهاز» بل هي محاورة مفتوحة بين فاعلين اجتماعيين متعددين. يعرف البشر بعض النصوص، سواء عبر قراءتها مباشرة، أو عبر الاطلاع عليها من نصوص وسيطة، تشير أو تشرح أو تبسّط؛ كما يسمعون ويشاهدون أحاديث عنها، وكل هذا يخلق جدلاً، من محاولات شرح، وأسئلة، وتضارب في التأويلات، وفضول لمزيد من الاطلاع. فضلاً عن مشاريع «إعادة القراءة» مثل «العودة لكانط» و»العودة لفرويد» إلخ.
هل لم يقرأ أصحاب تلك المشاريع قبلها المفكّرين الذين أرادوا «العودة لهم»؟ أم قرأوهم ونسوا ما قرأوه؟ أم شوّشتهم كثرة التأويلات؟ لا يمكن أن نعرف، لكن السؤال يجب أن يُطرح على مستوى الماكينة الاجتماعية للقراءة، التي فرضت هذا النوع من «العودة». كما أن كل «عودة» وتذكّر بعد نسيان، وحديث أو ذكر متجدّد للكتب،
يعني «قراءة» مختلفة، تضاف للرصيد الثقافي/الاجتماعي.
بهذا المعنى فإن الشرط الثقافي والسياسي الأكثر ثراءً وتحرراً، يُنتج مزيداً من القرّاء، الذين لا يمكن قياس أهميتهم بعدد الصفحات والكلمات التي قرأوها، بقدر مدى فعاليتهم ومشاركتهم في الجدل العام، وقدرتهم على صياغة الحجج والمرافعات،
واستخدام الاقتباسات النصيّة فيها بشكّل مقنع. وفي الواقع لا يمكن فصل هذين العاملين عن بعضهما: يمضي الناس بالتأكيد وقتاً أطول في الاطلاع على النصوص بأساليب مختلفة، والحديث عن الكتب التي قرأوها ولم يقرأوها، في البلدان التي تشهد جدلاً اجتماعياً حيّاً،
وإمكانيات أكبر للتعبير، بغض النظر عن التقارير المنسوبة لمنظمات ثقافية، مثل اليونيسكو و»مؤسسة الفكر العربي» والتي لا يمكن التأكّد من صحتها، حول العربي الذي يمضي ست دقائق في السنة في القراءة، والأوروبي الذي يمضي مئتي ساعة. ولذلك فقد لا تكون «تحديات القراءة» بالفعل أكثر من ترويج تجاري، أو استثمار في «الفيليا» لكن هل لا يوجد مكان لـ«القراءة» في العالم العربي خارج الحملات الترويجيّة؟
ليست مسابقات مواقع مثل «أبجد» الحملات الأولى من نوعها لترويج القراءة في العالم العربي، بل سبقها كثير من المبادرات، و»المشاريع القومية» التي لم تكن لها أغراض تجارية، بل سياسية/أيديولوجية غالباً، من الأمثلة الشهيرة مشروع «مكتبة الأسرة» الذي أشرفت عليه سوزان مبارك، السيدة الأولى في مصر سابقاً، فضلاً عن عشرات الحملات،
التي نظّمتها وزارات الثقافة والتربية والأوقاف في الدول العربية المختلفة. في ما بعد ظهرت مؤسسات ثقافية غربية، حكومية أو «غير حكومية» لدعم الكتاب في العالم العربي، وإعطاء المنح للكُتّاب والناشرين، ولكل مشروع من هذه المشاريع غاياته الواضحة: مواجهة التطرّف، نشر «الدين القويم» دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان، التفاعل الثقافي بين الشرق والغرب، إلخ، ورغم كل انتقاد ممكن، فهذه الحملات لم تذهب هباءً،
بل أسست هيكلاً اجتماعياً للقراءة، سرعان ما تفاعل مع المصادر المفتوحة التي أمّنها الإنترنت، فظهرت أنماط جديدة من القرّاء، تمرّدوا على الغايات الأساسية لحملات القراءة، مثل المدونين، الذين لعبوا دوراً سياسياً وثقافياً مهماً قبيل ما يعرف بـ»الربيع العربي». ومع اندلاع الثورات، ازداد فضول كثير من الأجيال الجديدة،
للاطلاع على الإسهامات الفكرية والسياسية، التي تحويها الكتب الأهم.
بعد فشل «الربيع» وإغلاق الحيز العام أو تمزّقه، تعطّلت آليات القراءة العربية. يوجد بالتأكيد قرّاء يتربّعون على أهرامات من الكتب، لكن يصعب أن نجد «قراءة». هل هذا شرط عربي فقط؟
«الأنفولونسر» قارئاً
يمكن اعتبار تحدّيات القراءة «نموذج أعمال» سائدا عالمياً، يدعمه عدد كبير من «المؤثّرين» على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل يوتيوب، وحتى تيك توك وأنستغرام. كثيرٌ من الأمور اختلف منذ العقد الأول من القرن الحالي: «الأنفولونسرز» على خلاف مدوني مطلع الألفية، يهتمون أكثر بالكم والشكل؛ يقدّمون «مراجعات» للكتب، وليس نقداً لها؛ ويجهدون أنفسهم بـ»تفاعل» متابعيهم، وزيادته، وليس الجدل.
من الصعب توقّع مفاجآت ثقافية واجتماعية، مثل التي أثارها المدونون سابقاً، من ماكينة قراءة بهذه المواصفات، فقد صار الشغف بالكتب بدوره مجرد «لايف ستايل» لافت للانتباه، ومرتبطاً في كثير من الأحيان بصناعة الترفيه، بل إن القراءة الأكاديمية والتخصصيّة نفسها،
باتت أسيرة آليات وخوارزميات معيّنة، تفرضها مواقع عملاقة، مثل «غوغل سكولار» وأشباهه. رغم هذا فالقراءة، بوصفها فعلا اجتماعياً، لا يمكن أن تنقرض تماماً. كلّنا قرّاء في النهاية، ما دمنا نعيش في شرط مديني متحرّك، والتغيير قد يأتي من خارج قنوات القراءة المكرّسة. ربما نفاجأ في المستقبل بمضامين ومعانٍ جديدة، يحملها بشر «قرأوا» ما لم نقرأه، ولم تخطر لنا قراءته.
كاتب سوري















