عندما سُئِل ذات مرة من قبل جريدة “تيل كيل” الأسبوعية، عن مدى ملائمته لأن يكون وزيرا، أجاب مهدي بنسعيد قائلا: «أنا لا أفكر في ذلك، لأنني من الذين لا يحلقون وجوههم كل صباح وهم يفكرون في الإستوزار، والوزارة ليست من أولوياتي..»
بعد بضعة شهور، بوجه حليق وبدلة رسمية، دخل محمد مهدي بنسعيد عرين الإستوزار من بابه الأمامي، كوزير ضمن حكومة 2021، ولشخص لم يكن يلقِ بالاً لأن يصبح وزيرا، فإن الحقائب الوزارية سرعان ما ترامت عليه، إذ وُضِع بنسعيد على رأس ثلاث قطاعات، هن قطاع الثقافة، قطاع الشباب، ثم قطاع التواصل، ليصبح بذلك الوزير الأصغر سنا الذي يدخل الحكومة، والوزير الأصغر سنا الذي تقضّ سياساته مضجع مهنيِّي الصحافة والنشر.
بالعودة إلى الماضي، وقبيل عهد وزارة الشباب والحقائب الحكومية، ترعرع مهدي بنسعيد في أسرة مُسَيّسة ماركسية، وتشرب المبادئ اليسارية منذ طفولته المبكرة، إذ فتح عينيه سنة 1984 على والدين كانا من أعتى المناضلين السياسيين آنذاك، هما: سمير بنسعيد، أحد القياديين بمنظمة “إلى الأمام” الماركسية، وسميرة كيناني، عضوة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، والقيادية السابقة في حزب النهج الديمقراطي.
لعل الأحداث التي عايشها المغرب في ثمانينيات القرن الماضي، من حملات أمنية وحل للمنظمات اليسارية والحقوقية، والتي جعلت بنسعيد يعيش أولى سنواته طفولته بعيدا عن والده، الذي يصفه بنسعيد بالنسبة له كرمز للتضحية، والذي سافر إلى فرنسا هاربا من نيران الاعتقال، ساهمت في ترسيخ أيديولوجية مهدي بنسعيد اليسارية أكثر من أي تلقين درسه، وفتحت آفاق فكره على ممارسة سياسية مرنة، يقودها الشباب ويحرسونها، ومنذ نعومة أظافره، آمن بنسعيد، كما فعل والداه من قبله، بالحرية والديمقراطية.
وبالفعل، لم ينأى بنسعيد كثيرًا عن شجرة عائلته، إذ التحق بوالده في فرنسا وهو طفل ذو إحدى عشرة سنة، وهناك تشبع بمبادئ الحرية والإخاء والمساواة، قبل أن يعود إلى ثانوية ثانوية ديكارت بالرباط سنة 2003، ليحصل على شهادة الباكالوريا، ثم يولي راجعا إلى تولوز، حيث سيتابع بنسعيد دراساته العليا في فرنسا ، وتوج بدبلوم الدراسات العليا في القانون الجنائي الدولي ثم سيحصل على ماجستير في الجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية، مدشنا بذلك انطلاقته الحقيقية في العمل السياسي.
عرفه المشهد السياسي المغربي بنظاراته ذات الإطارات السوداء وبدلاته الأنيقة، قبل أن يعرفه بملامحه الهادئة وولائه للشباب، فقد انضم سنة 2008 إلى حركة “لكل الديموقراطيين” ثم انطلق منه إلى عضوية المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة (PAM)، رغم ما يقال حول معارضة أبيه “سمير بنسعيد” لهذا القرار، وذلك لكون البام متأسسا أساسا على قاعدة ملكية، تتمثل في شخص كاتب الدولة في وزارة الداخلية سابقا ومستشار الديوان الملكي فؤاد عالي الهمة، ما يشكك في يساريته.
ورغم ذلك، سرعان ما برق نجم بنسعيد داخل حزبه، وشق طريقه بثبات نحو قبة البرلمان، حيث انتخب لعضوية مجلس النواب سنة 2011، ثم عضوية ورئاسة وسنة لجنة الشؤون الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية والمغاربة المقيمين في الخارج، تلاه منصب رئاسة مجموعة الصداقة البرلمانية المغربية البورمية بسنة 2015، قبل أن يعود ثانية إلى مجلس النواب منتخبا عن دائرة “المحيط” بالرباط برسم انتخابات 2021، كما فاز بمقعد عن الانتخابات المحلية بدائرة “أكدال – الرياض”.
لم تكن حياته الشخصية بذلك الزخم الذي عرفته مسيرته السياسية، بل تلحفها الظل من كل جانب، فمحمد مهدي بنسعيد متزوج ووالد لطفلين، غير ذلك، لم تُرسم تقاسيم حياته إلا بألوان العمل السياسي، وربما قليل من الرياضة، فبنسعيد مالك نادي يعقوب المنصور لكرة القدم، وربما ما وصفه به عبد اللطيف وهبي، قائلا بأن “ديناميكيته مُعدية ولا تترك أحدًا غير متأثر.” ينطبق عليه في كلا المجالين.
ولعل العاملين في قطاع الصحافة والنشر، هم أشد من يؤكد أن سياسات بنسعيد “لا تترك أحدا غير متأثر”، إذ وجدوا أنفسهم تحت رحمة الوزير الصغير، في قضايا مست بجوهر مهن الصحافة والنشر، إذ يحُمّل بنسعيد للآن، مسؤولية الوضع المزري الذي آل إليه المجلس الوطني للصحافة، ومسؤولية كل العقبات التي وضعت في طريق نهج استقلالية المهنة، كما لطخ اسمه اللامع بقضايا عدة، كالتماطل في عقد انتخابات المجلس الوطني للصحافة، وما يدور حول اللجنة المؤقتة للمجلس، وكذا لجنة أخلاقيات مهنة الصحافة.
وكأي سياسي آخر، يصعب الإجماع حول الحكم بمدى صلاح “الوزير الصغير”، أكثر مما يصعب الإجماع حول الحكم بمدى سوءه، وسواء عن هذا الرأي أو ذاك، يظل محمد مهدي بنسعيد، صاحب رؤية سياسية.















