يمتد شارع محمد الخامس كشريان كلاسيكي يختزل نبض العاصمة، حيث تتراصف على جانبيه بنايات بطراز معماري يستحضر حقباً من التاريخ، وساحات وأرصفة عريضة تتسع لآلاف الأقدام، مع اصطفاف رائع لأشجار النخيل التي تعانق السماء.
فهذا الشارع ليس مجرد فضاء إداري وحضري تتجاور فيه مقرات المؤسسات الكبرى، وأهمها البرلمان، والإدارات العمومية، مع المراكز الثقافية، والمكتبات التاريخية، والمحلات التجارية، بل هو مسرح مفتوح للنضال وذاكرة حية للحراك المجتمعي.
هنا، تتداخل تفاصيل الحياة اليومية بأصواتها وروائحها؛ صخب الحركة ودوي حافلات النقل والسيارات، واختلاط أريج القهوة المتصاعد من مقاهيه العريقة المطلة مباشرة على الشارع، برائحة الأوراق المطبوعة وشعارات المناشير.
وعلى هذه الأرصفة بالذات، تتغير جغرافية المكان فجأة؛ فتتحول المساحات المخصصة للمارة إلى نقاط لتجمع الهيئات النقابية والحقوقية، وتتحول كراسي المقاهي إلى منصات مراقبة وشواهد على انطلاق المسيرات الشعبية. بين همس النقاشات اليومية وصدى الأصوات المطالبة بالكرامة والحرية، يظل شارع محمد الخامس الملتقى الرئيسي لكل خفقة من خفقات الشارع المغربي وشاهداً حياً على تحول الفضاء العام إلى ساحة للاحتجاج.
ما إن تتعالى الهتافات أمام مقر البرلمان، حتى يتغير إيقاع شارع محمد الخامس. حركة السيارات والمارة لا تتوقف، لكنها تصبح جزءاً من مشهد آخر؛ مشهد تتداخل فيه أصوات الشارع مع شعارات المحتجين، فيما ترتفع اللافتات والأيادي في اتجاه مبنى البرلمان.
في هذا الشارع، لا تبدو الوقفة الاحتجاجية حدثاً عابراً. فالمكان، الذي يحتضن أهم مؤسسة دستورية، تحول على امتداد سنوات إلى فضاء تتقاطع فيه المطالب الاجتماعية. هنا لا يكتفي المحتجون برفع شعاراتهم، بل يختارون موقعاً يحمل دلالة رمزية واضحة.
ومن جهتها، أكدت الأستاذة كبيرة لغدير، انطلاقاً من تجربتها في احتجاجات الأساتذة سنة 2023، أن شارع محمد الخامس يتجاوز كونه مجرد فضاء جغرافي، وتعتبره شرياناً سياسياً واقتصادياً للعاصمة، بالنظر إلى احتضانه للبرلمان وقربه من عدد من المؤسسات والوزارات، فضلاً عن موقعه القريب من ساحة باب الحد. كل هذه العناصر، تجعل منه نقطة تجمع ووجهة أولى للراغبين في إيصال رسائلهم مباشرة إلى صناع القرار.
ورغم اختلاف المطالب وتغير الوجوه، يظل شارع محمد الخامس محتفظاً بمشهد يتكرر من حين إلى آخر؛ أصوات ترتفع أمام البرلمان، ولافتات تملأ الأرصفة، ومارة يواصلون طريقهم وسط كل ذلك. هنا، لا يعيش الاحتجاج خارج المدينة، بل داخل تفاصيلها اليومية؛ في شارع يستمر في الحركة، فيما تتغير الأصوات التي تأتي إليه بحثاً عن أن تُسمع.















