من يتأمل المشهد المؤسساتي المغربي، يدرك أن هناك وجوهاً لا تغيب مهما تعاقبت الحكومات وتبدلت الأزمنة. أسماء ترسخت في الذاكرة العامة حتى صارت جزءاً من المشهد نفسه، وكأن الزمن لا يمر عليها.
من مصطفى الكثيري، المندوب السامي للمقاومة وأعضاء جيش التحريرإلى فيصل العرايشي الذي يقود الإعلام العمومي منذ عقود، مروراً بأحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الذي يبدو وكأنه خُلق مع الوزارة ولن يغادرها، ثم عبد الوافي لفتيت في الداخلية، وعبد اللطيف حموشي على رأس الأمن والمخابرات، وآمنة بوعياش في حقوق الإنسان، ومصطفى التراب في المكتب الشريف للفوسفاط، وناصر بوريطة في الخارجية، وسليم الشيخ في القناة الثانية، وحسن طارق في الدبلوماسية و بعد ذلك في وسيط المملكة، وصولاً إلى عبد اللطيف الجواهري الذي يواصل قيادة بنك المغرب بثبات منذ بداية الألفية.
القائمة طويلة، تمتد إلى سفراء ومبعوثين دائمين مثل محمد عامر في بلجيكا وآخرين ممن أصبحوا جزءاً من “ديكور الدولة العميقة”، لا يزاحون ولا يتغيرون.
المشترك بين هؤلاء أنهم لا يُعيّنون بقرار من رئيس الحكومة، بل بظهير ملكي، ما يجعل مواقعهم محصّنة من التغيير السياسي، ويمنحهم صفة “الاستمرارية المحروسة”.
هذا الخلود الوظيفي يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة الدولة المغربية الحديثة: هل هو دليل على الثقة والكفاءة، أم على غياب البدائل وتجذر ثقافة الولاء؟
فأنصار هذا الاستقرار يرون فيه صمام أمان يحفظ توازن المؤسسات ودوام السياسات العامة في القطاعات الحساسة كالأمن والخارجية والشؤون الدينية، فيما يعتبره منتقدوه عائقاً أمام التجديد ومصدراً للجمود المؤسسي، حيث تتحول المناصب إلى امتيازات شخصية بدل أن تبقى مسؤوليات عمومية.
في العمق، تعكس هذه الظاهرة معادلة مغربية دقيقة: الدولة تفضّل الاستمرارية على المغامرة، وتختار الثقة على التغيير، حتى وإن أدى ذلك إلى نوع من “الشيخوخة البيروقراطية” التي تحدّ من حيوية الإدارة والسياسة معاً.
الأسماء تتكرر، والمواقع لا تتبدل، وكأن المغرب بلد بلا ورثة إداريين، أو كأن من يتقلد المنصب يُقسم أن لا يغادره إلا إلى المعاش أو القبر.
إنه مشهد يختزل مفارقة مغربية بامتياز: بلد يتحرك بسرعة في كل شيء، إلا في التغيير داخل دواليب السلطة.
وكأن الخلود في المناصب صار جزءاً من هوية الحكم نفسه، حيث الاستقرار يُقدَّم بديلاً عن التناوب، والولاء يُفضل على الكفاءة، وكأن البلاد لا تملك غير هؤلاء “الخالدين” ليحرسوا مفاتيحها إلى أجل غير مسمّى.















