لا يمكن إنكار أن تقدم المغرب بـ15 مرتبة في التصنيف العالمي لحرية الصحافة لسنة 2026 يشكل معطى إيجابيًا يستحق التثمين، ويؤكد أن البلاد ما تزال تحتفظ بهامش إعلامي أفضل من عدد من الدول في محيطها الإقليمي.
غير أن الاحتفاء بهذا التقدم العددي لا ينبغي أن يحجب الحقيقة الأعمق: المغرب ما يزال مصنفًا ضمن خانة “الوضع الصعب”، وهي إشارة دولية واضحة إلى أن أزمة حرية الصحافة لم تُحل، بل ما تزال بنيوية ومقلقة.
الواقع أن التحدي الأكبر اليوم لا يتعلق بالترتيب الرقمي، بل بطبيعة المناخ الذي يشتغل داخله الصحافيون المستقلون؛ مناخ يتسم بالضغط، والهشاشة الاقتصادية، وصعوبة الولوج إلى المعلومة، واستمرار أشكال متعددة من التضييق المباشر وغير المباشر على الأصوات غير المنسجمة مع السردية الرسمية.
الصحافة لا تقاس بعدد المنابر، بل بمدى استقلاليتها، وقدرتها على النقد دون خوف، وممارستها لدورها الرقابي بحرية كاملة.
الأخطر من ذلك أن المؤشرات القادمة لا تبعث على الاطمئنان. فإصرار الحكومة على تمرير مشروع قانون المجلس الوطني للصحافة بصيغته المثيرة للجدل، في ظل صمت مقلق من مؤسسات يفترض أن تسهر على التوازن المؤسساتي وحماية المكتسبات الديمقراطية، ينذر بمرحلة أشد تضييقًا على التنظيم الذاتي للمهنة، ويهدد بتحويل مؤسسة يفترض أن تكون مستقلة إلى آلية للضبط والتحكم.
وفي مشهد يكشف حجم الارتباك الذي يطبع تدبير القطاع، وجد الصحافيون المغاربة أنفسهم محرومين من بطاقة الصحافة المهنية لسنة 2026، ليس بسبب تقصير منهم، بل نتيجة سوء تدبير الوزارة الوصية وفشلها في ضمان الاستمرارية المؤسساتية داخل قطاع حيوي وحساس.
وهي سابقة غير مقبولة في دولة يفترض أنها تراهن على تحديث الإعلام وتعزيز احترافيته.
إن حرية الصحافة ليست ترفًا ديمقراطيًا، ولا ملفًا ثانويًا يمكن تدبيره بمنطق الولاءات أو الحسابات السياسية الضيقة، بل هي معيار مركزي لقياس مدى احترام الدولة لالتزاماتها الدستورية والدولية.
لذلك فإن أي تقدم حقيقي لن يتحقق بالأرقام وحدها، بل بإرادة سياسية صادقة تضمن استقلال الإعلام، وتحمي الصحافيين، وتقطع مع كل أشكال الوصاية والتدجين.
المغرب اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يترجم تقدمه النسبي إلى إصلاحات فعلية تعزز حرية الصحافة، أو أن يتحول هذا التقدم إلى مجرد رقم عابر يخفي وراءه أزمة أعمق تتفاقم بصمت.















