احتضن رواق المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب ندوة بعنوان: “التغيرات المناخية والفيضانات بالمغرب: نحو سياسة عمومية دامجة”.
وناقشت الندوة، بحضور ثلة من العلماء، التحديات المرتبطة بإدارة الموارد المائية بين والمقاربة الحقوقية لسياسات مناخية ناجعة. وقد انعقدت هذه الندوة في ظل سياق دولي ووطني يتسم بتصاعد الظواهر المناخية المتطرفة وتعاقب سنوات الجفاف.
شرفات أفيلال: نحو “دمقرطة” السياسات المائية
في مداخلة لافتة، أكدت الوزيرة السابقة شرفات أفيلال، الخبيرة الدولية في الموارد المائية أن موضوع التقلبات المناخية لم يعد ترفا فكريا حبيس المؤتمرات العلمية يتداوله الخبراء والعلماء دون غيرهم بل صار قضية تمس حقوق المواطنين في الصميم.
وأوضحت أفيلال أن هناك قصوراً في جعل هذا النقاش نقاشا ديمقراطيا نافذا يصل إلى كل بيت، محملة المسؤولية مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الدستورية التي ينبغي أن تضطلع لزوما بأدوارها التنويرية لكسر حاجز “التعتيم” وجعله نقاشاً عمومياً.
وكشفت الخبيرة الأممية عن أرقام دالة، حيث إن 40% من الكوارث الطبيعية هي فيضانات و90% من الظواهر القصوى المتعلقة بالتقلبات المناخية تتمظهر عبر الدورة المائية.
وبنقد ذاتي لمرحلة تدبيرها للقطاع، اعتبرت أفيلال أن السياسات العمومية كانت ترتكز بالأساس على المعطى التقني والهندسي. وهي مقاربة تظل غير كافية رغم أهميتها إذ لا بد من استحضار البعد الحقوقي.
وعلى المستوى التشريعي، نبهت أفيلال إلى أن الدستور المغربي الفصل 31 والقانون 36.15 قد كرسا الحق في الماء ومسؤولية الدولة في تيسير الولوج إلى الماء كخدمة عمومية، إلا أن التحدي يكمن في تفعيل هذه السياسات وصعوبات توصيل الماء إلى بعض المناطق النائية. ويعود ذلك إلى كون الاستثمار في الماء بوصفه قطاعاً اجتماعيا أمرا مكلفا بالنسبة لصناع القرار والميزانية العمومية عكس مجال الطاقة الذي يعرف توسعا وإقبالا متزايدا.
وقد انتقدت الخبيرة في الحكامة المائية بلجنة الأمم المتحدة، غياب الوعي البيئي متسائلة باستنكار: “كيف يعقل أن نترك المدينة العتيقة بأسفي تُبنى قرب الواد؟” داعية إلى وضع “قانون إطار بيئي” يوجه الدولة والساسة نحو تخطيط بعيد المدى يحمي الفئات الهشة.
كمال لحبيب: العدالة المناخية في مواجهة إحتكار الموارد
من جهته أكد الحقوقي، كمال لحبيب أن ما يقع حاليا هو بسبب الإنسان، معتبراً أن هذا الأخير لا يراعي الحقوق “لأجل ذلك قمنا بتأسيس الائتلاف المغربي للعدالة المناخية”.
وكما يرى كمال لحبيب فإن زمرة قليلة من البشر تستحوذ على الموارد الطبيعية التي يفترض فيها أن تكون مشتركاً جماعيا وحين يتعلق الأمر بالرأسمال الذي يسيطر على العناصر الحيوية للمواطنين فإن المقاربة الحقوقية تنعدم.
ويؤكد لحبيب أن الأزمات البيئية مرتبطة أساسا بنمط الإنتاج والتوزيع والاستهلاك العالمي الذي يزج بنا إلى الحروب والآفات والكوارث البيئية. وفي السياق الوطني، شدد على أن الدولة “لا تقوم بما يكفي لحماية حقوق المستضعفين” أمام الفيضانات وهو ما يزكيه كل من تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي أبان عن غياب المقاربة الحقوقية وغيابها عن السياسات العمومية في مجال البيئة، وتقرير المجلس الأعلى للحسابات الذي كشف عن ثغرات تشريعية وضعفاً في انسجام القوانين.
وختم لحبيب مداخلته بلمسة أنثروبولوجية تستحضر عبقرية المغاربة في تدبير الندرة مؤكدا أن الشعب المغربي راكم عبر القرون خبرة متقدمة في التعامل مع مسائل المياه متسائلا بمرارة: “بأي حق انتزعت الدولة صلاحيات هؤلاء الأفراد في تدبير الماء؟”.
سعيد قروق: قوانين “براقة على المستوى الدولي… فارغة على الصعيد الداخلي”
“القاعدة اليوم في المغرب هي الجفاف!”. بهذه العبارة حذر عالم المناخ المغربي سعيد قروق من موجات الجفاف المستقبلية .
وتابع العالم ذاته: “نرتقب وجود ظواهر قوية وعنيفة كما أن هناك احتمالا كبيرا لعودة الجفاف للمغرب… أقول بوجود إحتمال كبير بناء على الدراسة التي قمت بها في فترة التسعينات والتي لم يكترث إليها أي أحد”.
ويرى عالم المناخ أنه لا ينبغي أن نغتر بحقينة السدود بعد الأمطار الأخيرة فالمخزون المائي الفعلي هو ما يتركه الاحترار الذي يسرع سيرورة التبخر.
ويسوق مثالا على ذلك: “يبلغ متوسط التساقطات المطرية في الدار البيضاء 400 ملم سنويا إلى حدود التسعينات كانت هذه النسبة كافية للقيام بالعديد من المشاريع، اليوم تضيع الكثير من هذه المياه بفعل الاحترار”. فالجفاف معناه أن نسبة التبخر أكثر من نسبة التساقطات “ومن ثم ينبغي انتظار تشبع الغلاف الجوي من جديد لهطول الأمطار”.
وقد دعا قروق إلى تقييد المستثمرين المتسيبين بنصوص تشريعية ذلك أن “حوالي 85% من الموارد المائية المغربية غير المقننة تضيع في قطاع الفلاحة”.
ليلى ماندي: الفيضانات ظاهرة ضاربة في التاريخ والحل يبدأ من التخطيط الاستباقي
وفي نفس السياق أوضحت ليلى ماندي، الخبيرة المرموقة في مجالات علوم المياه والبيئة أن الفيضانات ليست ظاهرة جديدة بل تعود إلى حوالي 7600 سنة قبل الميلاد وأن حضارات قديمة من ضمنها المغرب تعلمت التعامل معها وإيجاد الحلول.
وأكدت الأمينة العامة للمعهد الدولي للانتقال المستدام في أفريقيا أن الإنسان قد حطم النظام البيئي وأن الفيضانات اليوم تعرف تفاقما ليس فقط بفعل استفحال التغيرات المناخية لكن أيضا بفعل تطور المجتمعات وهفوات التخطيط العمراني العشوائي وغياب الرؤية الاستباقية. في فترة الفيضانات الأخيرة تقول الخبيرة: “كان من المفترض تنفيذ التدابير المتصلة بتفريغ مياه السدود قبل 48 ساعة من حدوث الكارثة على الأقل، كما هو الحال في أستراليا” لتفادي انفلاق السدود وانهيارها عوض “إغراق المدينة” لحظة وجود هطولات مطرية كبيرة. فالمشكلة الأساس كما ترى ماندي أننا “لا نضع الإنسان صلب سياساتنا العمومية” ومادامت العدالة المناخية غائبة فإن حقوق الإنسان تظل حلقة مفقودة لأجل ذلك دعت السيدة ماندي إلى سياسة شاملة ومندمجة.















