شكلت ندوة “رهانات ثقافية واقتصادية: صراع السرديات وصناعة الرأي”، التي احتضنتها فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بقاعة الشريف الإدريسي ، منصة لتفكيك آليات الهيمنة الجديدة في عصر التواصل الرقمي.
وشارك في هذا النقاش الأكاديمي الذي سيره جامع كلحسن ، كل من السيميائي سعيد بنكراد والإعلامي عبد الوهاب الرامي، مسلطين الضوء على التحول من “سلطة المفاهيم” إلى “سلطة المحكيات”.
سعيد بنكراد: “المفاهيم صامتة و المحكيات ناطقة بالانفعال”
في مداخلة اتسمت بالعمق , ميز السيميائي سعيد بنكراد بين “علم السرد” (La narratologie) الذي يدرس النص الأدبي، وبين “السردية” (Le narratif) كطارئ ظهر في التسعينيات لاستبدال آليات الإقناع القديمة.
وكما يرى السيميائي بنكراد فان السردية هي “كل ما بني ليدفع الناس أساسا للانفصال عن واقعهم وأن يعيشوا في المحكيات لا في تفاصيل اليومي . فالسرد دائما ما يقدم عالما مصفى ليس فيه من التعقيد ما يوجد في الحياة اليومية” .
وأوضح بنكراد أن الغرض من السردية هو الابتعاد عن المفاهيم “الصامتة” واللجوء إلى المحكيات “الناطقة” بالانفعال الإنساني، معتبراً أن “الاستوريتلينغ” (Storytelling) أصبح الأداة المثلى للتأثير في الآخر عن طريق ربط الكائن بواقعة محددة كلما تحدثنا عن مفهوم مجرد.
وأشار أستاذ التعليم العالي بجامعة الرباط , إلى ضرورة إعادة النظر في “الواقعة” بوصفها ما يبنى استنادا الى نظرة تخصنا ومن ثم فهي ليست معطى جاهزا وانما “بناء ذاتيا يسرده كل طرف بطريقته الخاصة”.
وضرب مثالا بإعصاري “تسونامي” و”كاترينا”، موضحا كيف حظي الأول بزخم إعلامي أكبر بفضل قوة “الصورة” ووضعية المحكي، مؤكدا أن “الأرقام عابرة في الذاكرة، لكن الصورة تحيل على وضعيات إنسانية يسهل التماهي معها”.
وأضاف بحس نقدي أننا انتقلنا من تقديم المفاهيم التي يمكن أن يفطن العامة لمضمونها الى ما يسرب في وضعيات إنسانية تصب في محكيات نتماهى معها. وكأن المحكيات تحل في زمننا محل الأيديولوجيا.
وعبر بنكراد عن استغرابه من تحولات العصر الراهن، خاصة مع ظهور “صناع المحتوى” الذين حلوا محل “المثقفين”، معتبرا أننا نعيش “فترة تاريخية عجيبة في وجودنا في هذه الأرض تقوم أساسا على استبدال كلمات لها مضامين حقيقية بأخرى … لا تعني أي شيء”.
عبد الوهاب الرامي: صراع السرديات أقوى من صراع الوقائع
من جانبه، قارب الدكتور عبد الوهاب الرامي , أستاذ التعليم العالي بمعهد الصحافة الموضوع من زاوية إعلامية وسياسية، مؤكدا أن عالم اليوم يشهد صراعا للسرديات يتجاوز في أهميته صراع الوقائع نفسها. فالسردية، بحسب الرامي، هي إطار عام يهدف إلى إضفاء الشرعية أو إسقاطها عن حالة ما، عبر تلميع صورة المؤسسات أو تضخيم عناصر على حساب أخرى.
وأوضح الرامي أن “السردية” هي الخطاب الذي يبنى بالأرقام والعواطف والشهادات لتبرير مواقف معينة، مشيرا إلى وجود “تراتبية” في هذا المجال؛ حيث نجد سرديات كبرى مهيكلة تخصص لها ميزانيات ضخمة، مقابل “مناوشات سردية صغرى” أو “سرديات هجينة”.
وحذر الرامي من النظر إلى السردية كـ “معبد مقدس”، بل يجب قياسها بمدى انسجامها الداخلي وتعايشها مع السرديات الأخرى.
ودعا المؤسسات الإعلامية إلى الاستعانة بمتخصصين في السرديات لفهم الواقع المتغير، معتبرا أن مصطلح “السردية” أصبح الوسيلة الحديثة لـ “تسييل الأيديولوجيا” وجعلها مقبولة وسهلة الاستهلاك، وختم بالقول إن “السرديات غير المنظمة يمكن استيعابها دوما ضمن خطاب أكبر يغذي سردية كبرى”.















