في المغرب، تُنظم التظاهرات ويُرفع الشعار احتفاءً بـ“أسبوع الفرس”، حيث تُكرَّم الخيول وتُرصد لها الإمكانيات، في مشهد يعكس عنايةً بالتراث ورمزية الحيوان. وفي المقابل، وعلى هامش هذا المشهد البهيج، يخلّد جزء من المجتمع “أسبوع المعتقل”، لا احتفاءً، بل تذكيراً بمعاناة إنسان خلف القضبان، جُرّدت حريته بسبب رأي أو موقف أو كلمة.
مفارقة قد تبدو ساخرة، لكنها في العمق مؤلمة: بلدٌ يُجيد تنظيم المهرجانات وتلميع صورته، لكنه لا يزال عاجزاً عن طيّ صفحة اعتقال الرأي أو فتح نقاش هادئ حولها.
في “أسبوع الفرس”، تُرفع رؤوس الخيول في استعراض القوة والجمال، وفي “أسبوع المعتقل”، تُرفع أصوات عائلات تنتظر الإنصاف، وأمهات يطرقن أبواب الأمل.
هناك تُوزع الجوائز والتكريمات، وهنا تُكتب البيانات والنداءات.
في هذا السياق، لم تعد مبادرة “أسبوع المعتقل” مجرد محطة تضامنية عابرة، بل تحولت إلى لحظة كاشفة تعيد ملف الحريات إلى صلب النقاش العمومي. إنها مرآة تعكس التوتر القائم بين منطق الحقوق والحريات ومنطق المتابعات والتضييق، وتطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن الحديث عن مسار ديمقراطي متقدم في ظل استمرار اعتقال أشخاص بسبب تعبيرهم السلمي؟
لم يعد الأمر يتعلق بحالات معزولة، بل بنقاش أوسع حول حدود حرية التعبير واستقلالية القضاء ومدى احترام الالتزامات الدستورية والدولية. فـ“أسبوع المعتقل” ليس فقط صرخة تضامن مع أسماء بعينها و في مقدمتها النقيب محمد زيان، بل نداء جماعي لإعادة ترتيب الأولويات، ووضع الحريات في قلب السياسات العمومية.
إن استمرار هذا الوضع يهدد بتوسيع فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، ويغذي مناخ الاحتقان، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى انفتاح يرسخ الاستقرار ويعزز التنمية.
لذلك تبدو الحاجة ملحة اليوم إلى قرارات سياسية جريئة تُخرج هذا الملف من دائرة التجاذب، وتؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الإنصاف والمصالحة.
ليس العيب في الاحتفاء بالحيوان، فذلك مظهر من مظاهر التحضر، لكن المعضلة أن يصبح الإنسان نفسه في حاجة إلى أسبوع يذكّر بحقه في الحرية والكرامة.
الإفراج عن معتقلي الرأي ووقف المتابعات المرتبطة بحرية التعبير ليس فقط مطالب حقوقية، بل مدخل أساسي لترسيخ دولة القانون والمؤسسات.
“أسبوع الفرس” صورة لبلد كما يريد أن يبدو، و“أسبوع المعتقل” صورة لبلد كما يعيشه البعض في صمت.
وبين الصورتين، يظل السؤال معلقاً: هل يمكن أن تكتمل فرحة الاحتفال… بينما الحرية ما زالت مؤجلة؟
إنها لحظة اختبار حقيقية: إما انفراج وطني يعيد الثقة ويفتح صفحة جديدة، أو استمرار وضع يثقل كاهل المسار الديمقراطي المتعثر.
وبين هذا وذاك، يبقى “أسبوع المعتقل” صوتاً لا يمكن تجاهله، ورسالة واضحة بأن زمن الصمت قد ولى، وأن كلفة تقييد الحريات أصبحت أكبر من كلفة توسيعها.















