السؤال صادم، وربما أكثر صدمة منه أن نجد أنفسنا، بعد انتخابات تشريعية جديدة، أمام المشهد السياسي نفسه تقريباً، وبالأسماء الحزبية نفسها التي أدارت الشأن العام خلال الولاية السابقة.
التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة والاستقلال… الأحزاب الثلاثة التي شكلت الحكومة المنتهية ولايتها تعود اليوم إلى الواجهة، بعدما تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج المؤقتة بـ97 مقعداً، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 والاستقلال بـ65.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بمن فاز ومن خسر، ولا بمن سيحصل على رئاسة الحكومة. السؤال الحقيقي هو: هل نحن أمام تغيير حكومي أم أمام إعادة تدوير للمشهد نفسه؟
خمس سنوات مرت. التعليم ظل جرحاً مفتوحاً، والصحة ظلت تنتظر إصلاحاً يلمسه المواطن في المستشفى العمومي، والتشغيل بقي أحد أكبر مصادر القلق، خصوصاً لدى الشباب. وهذه ليست مجرد شعارات انتخابية؛ فالعمل والأجور والتعليم والصحة والسكن كانت من أبرز القضايا التي انشغل بها الناخبون في هذه الانتخابات.
ثم يأتي السؤال الأكثر إحراجاً: هل ستعود الوجوه نفسها إلى المواقع نفسها؟
هل سنرى وهبي من جديد في وزارة العدل؟ وهل سيعود بنسعيد إلى الشباب والثقافة والتواصل؟ أم أن نتائج الانتخابات ستفتح الباب فعلاً أمام حكومة جديدة بأسماء جديدة، وأفكار جديدة، وأسلوب جديد في تدبير الدولة؟
لا أحد يستطيع اليوم أن يقدم جواباً نهائياً.
تشكيل الحكومة المقبلة لم يُحسم بعد، والنتائج المعلنة ما تزال مؤقتة. لكن المؤكد أن الأحزاب الثلاثة التي قادت الحكومة السابقة تصدرت النتائج مرة أخرى، وهو ما يجعل سؤال الاستمرارية مشروعاً ومطروحاً بقوة.
والأكثر دلالة أن نسبة المشاركة لم تتجاوز نحو 38%، بحسب النتائج الأولية، ما يعني أن نسبة كبيرة من المواطنين لم تشارك في الاقتراع.
وهنا لا ينبغي أن نقرأ الأرقام باعتبارها مجرد نسبة انتخابية.
إنها أيضاً رسالة سياسية واجتماعية تستحق أن تُقرأ بهدوء: ماذا يريد المواطن من السياسة؟ ولماذا ابتعد جزء كبير من المغاربة عن صناديق الاقتراع؟
أما السؤال الأخطر فهو: ماذا يعني أن يتصدر المشهد حزب كان جزءاً من الحكومة السابقة، في وقت ينتظر فيه المواطن تغييراً حقيقياً في طريقة تدبير الملفات الاجتماعية والاقتصادية؟
ليس من حق أحد أن يختزل المغاربة في نتائج انتخابية، ولا أن يعتبر من صوتوا تفويضاً مفتوحاً، ولا أن يعتبر من لم يصوتوا موافقين على الوضع القائم.
المغربي الذي ذهب إلى صندوق الاقتراع له صوته.
والمغربي الذي لم يذهب له أيضاً أسبابه وأسئلته وقلقه.
أما الحكومة المقبلة، فستكون مطالبة بأكثر من توزيع الحقائب الوزارية. ستكون مطالبة بإقناع المواطن بأن الانتخابات لم تكن مجرد تغيير في ترتيب الأحزاب، وإنما بداية لتغيير في طريقة الحكم وتدبير الشأن العام.
أنا شخصياً، وبصفتي صحفياً ومواطناً، لا أخفي أن المشهد الانتخابي الجديد ترك لديّ شعوراً بالصدمة والقلق.
ليس لأن حزباً معيناً تصدر أو تراجع، ولكن لأنني كنت أنتظر أن تحمل الانتخابات معها رسالة تغيير واضحة.
فهل سنشهد مغرباً جديداً بحكومة جديدة وأولويات جديدة؟
أم أننا سنستيقظ، بعد انتهاء مفاوضات تشكيل الحكومة، لنكتشف أن الأسماء تغيرت قليلاً، لكن الحكومة بقيت تقريباً هي نفسها؟
هنا تكمن المسألة. وهنا أيضاً يبدأ الاختبار الحقيقي للسياسة المغربية بعد انتخابات 23 شتنبر 2026.














