يجب أن أعترف أن رحيل السي أحمد الزفزافي أحزنني بعمق، حزناً يوازي ما شعرت به عند فقد والديّ.
قد يبدو غريباً أن يحزن الإنسان على شخص لم يعرفه عن قرب، ولم يلتقِ به وجهاً لوجه. لكنه كان بيننا دائماً: في الأخبار، في مقاطع الفيديو، في كلماته البسيطة الصادقة، في دفاعه المستميت عن ابنه ورفاقه معتقلي حراك الريف.
بصوته الجميل ولغته العربية الرشيقة، دخل السي أحمد إلى بيوت المغاربة وقلوبهم، حتى صار أقرب إلينا من بعض ذوي القربى.
لقد “بقا فيا” كما نقول في العامية المغربية، برحيله الصادم. ببساطته،وعفويته و جرأته أحياناً في مواجهة من سجن ابنه، جعلته وجهاً إنسانياً نادراً في زمن القسوة والخذلان.
وبقدر ما حزنت عليه، بقدر ما امتلأت مرارة تجاه من كانوا السبب في أن يغادر الدنيا وهو محروم من رؤية ابنه حراً طليقاً.
لقد كان الحكم على ناصر الزفزافي ورفاقه بعشرين سنة سجناً قاسياً، مبالغاً فيه، لا يليق بروح العدالة ولا بمطالب حركة اجتماعية خرجت تنشد الكرامة.
اليوم، والمغرب يودع السي أحمد، لا أستطيع إلا أن أتساءل: كيف ينظر السياسيون والأحزاب التي سارعت لاتهام مناضلي الريف بالانفصال إلى هذه اللحظة؟ هل يملكون ذرة ضمير تجعلهم يشعرون بالذنب؟ هل يفكرون في آباء وأمهات قضوا سنوات من أعمارهم في الانتظار المرير، لعلهم يعانقون أبناءهم قبل أن يغيّبهم الموت؟
السي أحمد لم يكن مجرد “أب ناصر”. كان رمزاً لصبرٍ استثنائي، وصوتاً يذكّرنا كل يوم بأن العدالة ليست شعاراً، بل مسؤولية أخلاقية.
رحيله يترك فراغاً لا يُملأ، لكنه يترك أيضاً وصية صامتة: أن نعيد التفكير في معنى الإنصاف، في معنى أن يكون الوطن رحباً يتسع للجميع، لا سجناً كبيراً يحاصر الأصوات الحرة.
وداعاً السي أحمد. رحلتَ مثقلاً بالهمّ، لكنك تركت فينا درساً في الكرامة. ويبقى السؤال يطاردنا: كم من السي أحمد سنفقد بعد، قبل أن نفهم أن الحرية والعدالة ليستا ترفاً، بل حقاً إنسانياً لا يُؤجَّل؟















