بسم الدولة الرقمية…
نحن هنا لنعلن لكم بكل فخر عن *مخطط الانتقال الرقمي الوطني الشامل المتكامل المتعثر*. نعم، تأخرنا قليلاً، فقط عقدين من الزمن، لكننا الآن مستعدون لدخول العصر الرقمي، شرط أن يكون الإنترنت متوفراً، والموقع لا ينهار قبل أن تضغط على “التالي”.
لقد أنشأنا وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، لأننا نحب الأسماء الطويلة. هذه الوزارة وُجدت لترافق المواطن في رحلته اليومية مع المواقع التي لا تفتح، والبوابات التي تطلب تسجيل الدخول 4 مرات، ثم تُخبرك أن “الخدمة غير متوفرة حالياً”.
نحن نؤمن أن الرقمنة هي المستقبل، ولهذا نُصرّ على تحميل وثائق PDF مكتوبة بالخط الرسمي للدولة سنة 1998. أما كلمة السر؟ فهي دائماً مزيج من حرف كبير، رمز، دموع، وصبر أيوب.
مرحلة التحول الرقمي انطلقت… لكن لا تقلقوا، السرعة محددة بسيرفر وزارة التجهيز.
ولأن الرقمنة عندنا لا تعني السرعة، بل تعني أن يتحول الورق إلى شاشة فقط، فقد أصبح بإمكان المواطن أن يعيش التجربة الرقمية الكاملة: ينتظر في طابور افتراضي، ثم يُطلب منه تحميل وثيقة، ثم يُطلب منه جلبها مطبوعة، موقعة، ومصحوبة بنسخة من البطاقة الوطنية… وكأننا نعيش في العام 2045 داخل قاعة أرشيف من عهد الحماية.
نعم، نريد الانتقال الرقمي، لكن على طريقتنا: شاشة أمامك، وموظف خلفها يقول لك أن النظام “طايح”، وأنه من الأفضل تعود غداً… أو بعد غد… أو تعود بورقة فقط، “حنا كنخدمو بالطريقة القديمة حتا كنصلحو السيستيم”.
التحول الرقمي عندنا ليس مشروعاً، بل اختيارا استراتيجيا للدخول في عصر جديد من النجاعة والتحديث. حين يشتغل الموقع، نعتبره دليلاً على نجاح الرؤية الرقمية، وحين يتوقف، فذلك نتيجة ضغط كبير يعكس إقبال المواطنين وثقتهم. كل خدمة إلكترونية تبدأ بواجهة حديثة ومبسطة، وتنتهي برسالة تقنية مؤقتة: المرجو المحاولة لاحقاً، أو التوجه شخصياً إلى أقرب ملحقة، مشكورين على تفهمكم.
على المواطن أن يسجل الدخول عبر بريده الإلكتروني، ثم يُفعّل الحساب برسالة نصية يتوصل بها في وقت لاحق. عليه التأكد من مطابقة الرقم، رغم أن النظام قد يُشير، لأسباب تقنية، إلى أنه غير صحيح. وفي مرحلة أخيرة، سيُمنح موعداً رقمياً محترماً… للحضور به شخصياً إلى الإدارة المعنية، التي ما زالت تعيش في العصر الحجري، وتضع الحاسوب كعنصر من عناصر الديكور الإداري، لا غير.
ولأن الدولة تؤمن أن الرقمنة ليست فقط تحديثاً، بل “مقاربة شمولية”، فقد جعلت من كل خطوة بسيطة تجربة وجودية. رفع شكاية؟ يجب أن تُنشئ حساباً. الحصول على وثيقة؟ يجب أن تمر عبر ثلاث بوابات، وتُدخل رقم بطاقة تعريفك، ثم رقم هاتفك، ثم رقمك في الحياة… لتكتشف في النهاية أن الخدمة غير متوفرة حالياً.
ولأن المواطن جزء من هذا الورش الوطني العظيم، يُطلب منه أن يُجدد كلمة السر كل أسبوع، أن يُدخل كوداً وصله في منتصف الليل، وأن يحتفظ بصورة من شاشة الخطأ، لأنه قد يحتاجها لاحقاً كدليل على أنه حاول.
أما من يتحدث عن الذكاء الاصطناعي، فنطمئنه أننا نستخدمه فعلاً… لكنه في مرحلة الصدمة، بعد أن اطّلع على بنية مواقعنا.
ولا تكتمل الرقمنة إلا بالبلاغات الرنانة، فقد أعلنت الدولة أن المواطن سيستفيد من “خدمات رقمية سهلة، سريعة، وآمنة”. وفعلاً، كل شيء آمن… لدرجة أن الموقع لا يفتح إطلاقاً، حمايةً لمعلوماتك.
تدخل لتجديد رخصة؟ يرحب بك النظام برسالة تقول: “جلسة المستخدم منتهية.” تحاول استخراج وثيقة؟ يُطلب منك تحميل نسخة رقمية من الوثائق التي جئت أصلاً لتستخرجها. تبحث عن رقم المصلحة؟ تجده في صفحة “اتصل بنا”، لكنها تعيدك إلى الصفحة الرئيسية… في حلقة تأمل رقمية لا نهائية.
وفي النهاية، تصل إلى الإدارة لتجد الموظف يطلب منك نفس الورقة التي حاولت الحصول عليها رقمياً، وهو جالس أمام حاسوب لا يُستعمل إلا لحجز كأس الشاي أو كمسند للملفات. التكنولوجيا هنا لا تُستخدم… تُعرض، كأنها لوحة شرف لنية الإصلاح.















