أسر مهجرة حملت معها ذاكرة مدن و قرى لم تستطع النكبة أن تطمسها، واحتفظت بمفاتيح بيوت أجبرت على مغادرتها قسرا وعنوة، على أمل أن تعود إليها يوما.
في مخيم تل الزعتر للاجئين الفلسطينيين شرق بيروت، كن النساء ينسجن ذاكرة فلسطين بأيديهن في تطاريز يدوية، كل قطعة منها تحمل حكاية جدة مهجرة، واسم قرية أو أرض مسلوبة، وملامح بيت وتوتة دار تركتها خلفها ذات يوم.

أما الأطفال الذين ولدوا في المخيم ،فقد كانوا يكبرون على حكايات فلسطين التي كانوا يسمعونها من آبائهم وأمهاتهم. كبروا على رائحة رغيف الطابون الفلسطيني، وترعرعوا على تغاريد الجدات اللواتي حملن معهن جبال فلسطين إلى المخيم في أهازيج متوارثة، حتى وهن ينشدن أهازيج الجبال كن يستحضرن أسماء القرى والبيارات والحقول.

كان المخيم بالنسبة إلى هؤلاء الأطفال مكانا آمنا إلى أن يحين موعد العودة. لم يظنوا يوما أن صيفا واحدا سيقتل أحلامهم المؤجلة و يغير كل شيء.
في عام 1976، حل على تل الزعتر صيف دموي، وأطبق الحصار على المخيم بكامله لمدة 52 يوما، وما بين تجويع وتعطيش ممنهج وقطع متعمد لإمدادات الأدوية والتغذية كان أبناء المخيم يعدون أيامهم بأعداد رغيف الخبز المتبقية.

سرعان ما تحولت ضحكات الأطفال إلى صراخ رعب وخوف، وحل صوت القذائف والانفجارات محل صوت أهازيج الجدات، أما البيوت التي احتضنت ذاكرة فلسطين فقد تحولت إلى ركام مختلط بدماء أصحابها.
ذلك الصيف لم يقتل أبناء المخيم وحدهم بل مسح المكان الذي حفظ ذاكرتهم لاقتلاع آخر ما تبقى من وطن حملوه معهم منذ النكبة. سقطت الأجساد وقتل الأطفال وبقرت الأجنة من بطون أمهاتهم لكن الذاكرة لم تقتل!
وفي 12أغسطس/غشت 1976سقط مخيم تل الزعتر، بعد أسابيع سوداء من الحصار والقصف، لترتكب مجزرة دموية بحق المدنيين على أيدي ميليشيا النمور بقيادة كميل شمعون وميليشيا الكتائب بزعامة بيار جميل إضافة إلى ميليشيات حراس الأرز وجيش تحرير زغرتا والقوات السورية.

وتشير تقديرات الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية إلى استشهاد نحو 800 شخص في يوم المجزرة نفسه، بالإضافة إلى مقتل أكثر من 3400 شخص خلال فترة الحصار التي سبقت سقوط المخيم.
سقط المخيم و لم تسقط مفاتيح العودة، استمرت الأهازيج والحكايات التي تناقلتها الأمهات والجدات من جيل إلى جيل ، وبقي التطريز و ظلت فلسطين حاضرة في كل غرزة.

وظل تل الزعتر شاهدا على طعنات الخيانة والغدر التي يتلقاها الإنسان الفلسطيني، وشاهدا كذلك على أن هذا الأخير قد يقتلع من مخيمه بعد تهجيره قسرا ، غير أن اقتلاع الأمكنة لم يقتلع الذاكرة.
فالذاكرة تصبح وطنا حين تحملها الأجيال، وحين تظل الحكاية حية، تظل القضية حية مهما تغيرت الأمكنة. ولعل أصدق ما تختتم به هذه الأسطر كلمات حارس ذاكرة فلسطين، المرحوم حمزة العقرباوي: «ستأكلنا الضباع إذا فقدنا الذاكرة».














