ما إن يهلّ شهر رمضان حتى تتبدل ملامح الأسواق قبل أن تتبدل ملامح النفوس.
عربات التسوق تمتلئ، الأسعار ترتفع، الإعلانات تتكاثر، والموائد تتسع حتى تكاد تختنق بأصناف لا تؤكل بقدر ما تُعرض.
كيف تحوّل شهر الإمساك إلى موسم اقتناء؟
وكيف صار الصوم الذي يُفترض أن يدرّبنا على التقليل، مناسبةً للمزيد؟
رمضان، في جوهره، دعوة إلى التحرر من فائض الرغبة.
هو تدريب عملي على أن الإنسان يستطيع أن يعيش بأقل مما يظن.
لكن ما يحدث في كثير من الأحيان هو العكس: نستبدل امتناع النهار بتخمة الليل، ونقايض الجوع المؤقت بإفراط دائم.
ليست المشكلة في الطعام، ولا في الفرح المشروع، ولا في الاجتماع حول مائدة واحدة.
المشكلة حين يتحول الاستهلاك إلى معيار للوجاهة، وحين تُقاس قيمة الشهر بعدد الأطباق، لا بعمق الأثر.
نشتري أكثر مما نحتاج، ونطبخ أكثر مما نأكل، ونهدر أكثر مما نعترف.
وفي الجهة الأخرى من المدينة — وربما في الحي نفسه — هناك من لا يجد ما يفطر عليه إلا بفضل مبادرة عابرة أو صدفة كريمة.
أي مفارقة هذه؟
أن نصوم إحساساً بالجوع… ثم ننسى الجائعين.
رمضان ليس مسابقة في الامتلاء، بل مدرسة في الاكتفاء.
ليس موسماً لإغراق البيوت بالمؤن، بل مناسبة لإعادة تعريف الحاجة.
كم من الأشياء نكتشف — بعد انتهاء الشهر — أننا لم نكن بحاجة إليها أصلاً؟
ثقافة الاستهلاك لا تتسلل إلينا فجأة؛
هي تُغذّى بالإشهار، وبالمقارنات الاجتماعية، وبالخوف من “النقص”، وبوهم أن الوفرة المادية تعوّض الفراغ المعنوي.
لكن الصوم — إذا فُهم حقاً — يكسر هذا الوهم.
هو يذكّرنا أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يكدّس، بل بما يضبط.
وأن الكرامة ليست في وفرة المائدة، بل في عدالة التوزيع.
ربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا بصرامة:
هل نعيش رمضان… أم نستهلكه؟
أن نقتصد لا يعني أن نحرم أنفسنا،
بل أن نعيد للنعمة معناها،
وأن نعيد للموائد تواضعها،
وأن نعيد لرمضان روحه التي تكاد تضيع وسط ضجيج العروض والتخفيضات.
السؤال الذي نختم به:
لو خفّف كل واحد منا نصف ما يشتريه في هذا الشهر، كم من بيت يمكن أن يطمئن؟
وكم من قيمة يمكن أن تعود إلى مكانها الصحيح؟















