أحاول أن أدوّن للأشقياء، لأولئك الذين يعظّمون الحقيقة ويدفعون دماءهم ثمنًا لنزع القداسة عن هذا العالم.
فالعالم ليس مسكنًا يملكه أحد، بل هو سُكنى لكل الساكنين. وما أنذل أولئك الذين يستغلون الدماء ليعيثوا في الأرض فسادًا! إنهم منافقو الحقيقة ومعارضوها.
إن الاسم الذي يُنادى به شخص ما ليس ملكه وحده، بل هو ملكٌ للوحدة الإنسانية. والعقل هو الذي ينبغي أن يحدّد واقعية الحقيقة من غير أن يرسم سيناريو مزيّفًا يحرّف التاريخ عن مساره.
فإلى من نُرجع تشابه الصور؟ وبماذا نفسّر تطابق الأعداد؟ لا جواب إلا بردّها إلى اختلاف الأصوات.
قد تبدو استحالةُ الفهم كامنةً في الطبيعة: فهي تعطي وتمنع، تمنح وتنزع، لكنها لا تعرف الطغاة ولا تكترث لهم، كما لا تعرف الأبرياء. فمن ذا الذي يهتم بالحمقى والمعتوهين سوى أنفسهم؟
هؤلاء الذين يبعدون الناس عن الحقيقة، ويشوّشون على عمق الواقع الذي يروح ضحيته الكثيرون.
وبالعودة إلى التاريخ، ولأن الواقع لا يستقيم إلا بسياقه المنتج للمعنى، أستحضر ما وقع في الماضي من إسكات صوت خربوشة، التي انتفضت ضد الظلم بنداء العيطة، حيث بدأت أغنيتها بقولها: “الأيام الأيام، أيام القهرة والظلام”؛ مقولة تجسّد واقع الاستبداد.
لكنني أتساءل: هل انتهت الأغنية أم أن الاستبداد استمرّ بوسائل مختلفة؟
إن الحاشية السفلى، إما تنتفض لتعترض طريقها المخزن على الطريقة الاستعمارية، وإما تنتحر فوق الشاطئ مخافة التعذيب. فالقيد العيادي لم يمت؛ إنه لا يزال حيًّا في بنيات السلطة، غير أن الإيقاع الموسيقي هو الذي مات، فرحمه الله.
ولو أراد الناس حقهم بأثر رجعي، أي باستعادته من القائد عيسى، لكان ذلك مستحيلًا، فالإدارة استمرار له، وتمثيل لإرادته حتى في تزويج خربوشة.
فكيف للقيد أن يطلب الزواج من خربوشة؟ وكيف للهجاء أن ينسجم مع الرئاسة؟ إنه حقّ يراد به باطل.
قبيلة محرومة من شروط العيش، لكنها دائمًا خاضعة لشروط النظام المفروض. مع أن للقبائل ثقافةً خاصةً تستحضر المجهول إلى المعلوم، وتنفي المعلوم لتأكيد المجهول، إلا أن هذا المجهول ذاته يظل جاهلًا بأوضاعهم، فيضعهم في ورطة بين تأكيده أو نفيه.
فهم إما يشربون ماءً صالحًا فيفقدون المجهول، وإما يورّطون أنفسهم بالخوف من إعادة تكرار مأساة خربوشة: الموت أو العطش.
قال الله تعالى: ﴿يَرْجِعْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: 4].
فهل مات القيد العيادي فعلًا، أم أنه لا يزال حيًّا فينا بأشكال أخرى؟















