حكومات تأتي وأخرى ترحل، وزراء يتعاقبون على القطاعات، و مسؤولون يغادرون مواقعهم بعد سنوات من التدبير، فيما يبدو أن هناك قطاعاً واحداً في المغرب يعيش خارج منطق الزمن الإداري والسياسي: قطاع الإعلام العمومي.
ففي الوقت الذي تتغير فيه الوجوه، و تتجدد السياسات، وتُفتح أوراش الإصلاح وإعادة الهيكلة، يظل اسم واحد حاضراً منذ نهاية القرن الماضي: فيصل العرايشي، الذي يتولى قيادة الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة منذ سنة 1999، ويستمر اليوم في قيادة هذا الورش الإعلامي العمومي الذي يفترض أن يكون في قلب التحولات التي يعرفها المغرب.
السؤال هنا ليس شخصياً، ولا يتعلق بالرغبة في تغيير مسؤول لمجرد تغيير المسؤول، وإنما يتعلق بمبدأ أكبر: متى تخضع المسؤولية العمومية لمنطق التقييم و المحاسبة و ربط المسؤولية بالنتائج؟
لقد مرّ الإعلام العمومي المغربي خلال هذه السنوات بمحطات عديدة. وفي سنة 2006 أُطلق مسلسل لإعادة الهيكلة المؤسساتية والتنظيمية بهدف بناء قطب سمعي بصري عمومي، في إطار رؤية كان يفترض أن تجعل من الإعلام العمومي مؤسسة أكثر نجاعة وقدرة على أداء مهام الخدمة العمومية.
لكن بعد مرور ما يقارب عقدين على تلك المرحلة، يعود الحديث من جديد عن إعادة هيكلة واسعة، هذه المرة تحت عنوان الهولدينغ الإعلامي العمومي.
وفي يناير 2025، تحدث فيصل العرايشي أمام لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب عن مشروع إحداث هذا الهولدينغ، الذي يرمي إلى تجميع عدد من مكونات القطاع العمومي، مع أهداف معلنة تتعلق بترشيد الموارد المالية والبشرية، وتوحيد بعض المقتنيات والاستثمارات، وتقليص الكلفة، ورفع المردودية.
وهنا تبرز مفارقة تستحق النقاش.
إذا كان الهولدينغ الجديد سيعالج اختلالات في الحكامة والتدبير، وسيحقق ترشيداً للموارد، ويرفع المردودية، ويقلص الكلفة، ويحسن المنتوج الإعلامي، فمن الطبيعي أن يتساءل المواطن: ما الذي حال دون تحقيق هذه الأهداف خلال السنوات الطويلة الماضية؟
و إذا كانت المشكلة في البنية المؤسساتية، فلماذا احتاج إصلاح 2006 إلى سنوات طويلة كي يصل إلى صيغة جديدة؟ وإذا كانت المشكلة في الحكامة والتدبير والموارد، فأين يبدأ تقييم المسؤولية الفردية عن النتائج، وأين تنتهي مسؤولية المؤسسة والنظام القانوني؟
هذه ليست أسئلة تستهدف شخصاً بعينه، وإنما أسئلة مشروعة حول مؤسسة عمومية تموَّل من المال العام، وتضطلع بمهمة لا تشبه مهمة أي شركة تجارية عادية.
فالإعلام العمومي ليس مجرد أجهزة للبث ولا مجموعة من القنوات والإذاعات. إنه خدمة عمومية، يفترض أن يكون قريباً من المواطن، وأن يعكس تنوع المجتمع، وأن يمنحه إعلاماً مهنياً متوازناً، وأن يواكب التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي يعيشها المغرب.
والواقع أن المشاهد المغربي تغير بشكل جذري.
لم يعد ينتظر الأخبار والبرامج من التلفزيون وحده. أصبح يعيش في فضاء رقمي مفتوح، ويتابع المنصات العالمية، ومواقع التواصل الاجتماعي، والقنوات الدولية، والبودكاست، والمحتوى الرقمي المتخصص. وبالتالي فإن المنافسة التي يواجهها الإعلام العمومي اليوم ليست هي نفسها التي كانت قائمة قبل عشرين سنة.
و هنا تحديداً يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:
هل استطاع الإعلام العمومي أن يواكب هذا التحول بنفس السرعة؟
الجواب لا ينبغي أن يكون انطباعياً. بل يجب أن يُقاس بالأرقام: نسب المشاهدة، حجم الإنفاق العمومي، تكلفة الإنتاج، مردودية الاستثمار، جودة المحتوى، انتشار القنوات الرقمية، ثقة الجمهور، حضور الشباب، الإنتاج الجهوي، وتقييم الخدمة العمومية.
صحيح أن إدارة SNRT تقدم من جهتها أرقاماً و معطيات حول تطور الإنتاج و الاستثمار في المجال السمعي البصري و نسب المشاهدة، وقد صرح العرايشي سابقاً بمعطيات إيجابية حول تطور الاستثمار في الإنتاج الدرامي ونسب مشاهدة القنوات العمومية.
لكن الأرقام الإيجابية، مهما كانت، لا ينبغي أن تعفي أي مؤسسة عمومية من السؤال الأهم: هل النتيجة النهائية تتناسب مع حجم الإمكانات الموضوعة رهن إشارتها؟
فكلما ارتفعت الموارد المالية و البشرية، ارتفع معها سقف الانتظارات.
وكلما طال عمر المسؤول في منصبه، أصبح تقييم الحصيلة أكثر إلحاحاً، لا أقل.
من هنا تأتي أهمية فتح نقاش عمومي ومؤسساتي هادئ حول مستقبل الإعلام العمومي المغربي، بعيداً عن الشخصنة وبعيداً عن منطق تصفية الحسابات.
هل يحتاج المغرب إلى إعادة هيكلة المؤسسات فقط، أم يحتاج أيضاً إلى تجديد في فلسفة الحكامة؟
هل يكفي تغيير الشكل القانوني للمؤسسات، أم أن المطلوب تغيير طريقة صناعة القرار الإعلامي؟
هل يحتاج القطاع إلى هولدينغ جديد، أم إلى عقد واضح مع الدولة، بمؤشرات أداء دقيقة، وأهداف قابلة للقياس، وتقييم دوري مستقل، وربط واضح بين المسؤولية والنتائج؟
هذه الأسئلة تكتسب أهميتها خصوصاً وأن الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري نفسها تؤكد أن الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة شركة عمومية مكلفة بمهام الخدمة العمومية، وأن دفاتر التحملات والعقود البرامجية تحدد التزاماتها في مجالات من بينها التغطية الترابية، والتحديث، وتطوير الخدمات، ودعم الإنتاج الوطني، وتدبير الموارد البشرية وعقلنة التسيير.
وبالتالي، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون: مع العرايشي أو ضد العرايشي.
بل ينبغي أن يكون:
ما هو النموذج الذي نريده للإعلام العمومي المغربي؟ و من يحاسب المسؤول عن عدم تحقيق أهدافه؟
إن استمرار المسؤول نفسه لسنوات طويلة ليس دليلاً في حد ذاته على النجاح أو الفشل. لكن طول مدة المسؤولية يجعل من المشروع طرح سؤال الحصيلة والمساءلة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمرفق عمومي استراتيجي.
فالمغرب الذي يجدد بنياته الاقتصادية والاجتماعية، ويعيد تشكيل عدد من مؤسساته، ويستعد لتحولات كبرى في السنوات المقبلة، يحتاج أيضاً إلى إعلام عمومي قادر على مواكبة هذه التحولات.
– إعلام لا يعيش على ذاكرة الماضي.
– إعلام لا يكتفي بتغيير الديكور و الشعارات.
إعلام يقيس نجاحه بما يقدمه للمواطن، لا بعدد الاستوديوهات والكاميرات والقنوات.
إعلام يعطي للكفاءات المهنية مكانتها، ويستثمر في الصحافي والتقني والمبدع، ويمنح الأقاليم والجهات حضورها، ويواكب الشباب والفضاء الرقمي، ويصنع محتوى قادراً على المنافسة.
أما الهولدينغ، فإنه قد يكون فرصة لإعادة التفكير في نموذج الإعلام العمومي، لكن نجاحه لن يُقاس بعدد الشركات التي ستندمج تحته، ولا بعدد الأسهم التي ستنتقل من مؤسسة إلى أخرى، وإنما بما سيشاهده المواطن المغربي على الشاشة، وما سيجده على هاتفه، وما سيشعر به من ثقة في إعلامه العمومي.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكبر مطروحاً على الدولة والحكومة والبرلمان والهيئات المكلفة بالحكامة الإعلامية:
هل حان الوقت لفتح صفحة جديدة في تدبير الإعلام العمومي، أم أن المغرب سيواصل تغيير الهياكل و الأسماء، بينما يبقى المسؤول نفسه جالساً على الكرسي نفسه؟
ذلك هو جوهر النقاش.
فالإعلام العمومي ليس ملكاً لمسؤول، ولا إرثاً إدارياً لشخص، ولا امتيازاً دائماً لأي كان.
إنه ملك للمجتمع، وتمويله من المال العام، ومهمته خدمة المواطن.
ومن هذا المنطلق، فإن السؤال عن الحصيلة، و المساءلة، و تجديد المسؤوليات، ليس تشويشاً على المؤسسة، بل هو في حد ذاته دفاع عن حق المغاربة في إعلام عمومي قوي، مهني، حديث، وفعّال.















