رغم الزخم الذي رافق العفو الملكي الصادر في يوليوز 2024 عن مجموعة من الصحافيين البارزين في المغرب، وما أثاره من آمال بإمكانية انفراج وضعية حرية الصحافة في البلاد، إذ روج له، داخليا وخارجيا، كبادرة حسن نية ورسالة انفتاح تجاه هذا الملف، الذي ظل لسنوات عصيا على الإصلاحات العميقة.
إلا أن الواقع الميداني أبان عن استمرار الممارسات القمعية التي تستهدف الصحافة المنتقدة المستقلة.
فقد سلطت منظمة “مراسلون بلا حدود”الضوء في تقريرها الأخير على التصاعد المقلق لحملات الملاحقة القضائية والتشهير ضد الصحافيين، معتبرة أن العفو الملكي لم يكن سوى محطة عابرة سرعان ما فقدت مفعولها و كشفت هشاشة هذا الانفراج تحت وطأة القضايا المفتوحة و المتزايدة ضد المهنيين.
القضاء كأداة ترهيب سياسي: استهداف ممنهج للصحافيين
التقارير الصادرة عن المنظمة كشفت عن نمط متكرر من المتابعات القضائية التي تطال الصحافيين المنتقدين، في سياق يُستغل فيه القضاء كأداة لترهيب الأصوات الحرة، ناهيك عن المفارقة الصارخة التي يعيشها المغرب، بين النصوص القانونية التي تنص على حرية الصحافة، والممارسات التي تُقيدها.
ففي الوقت الذي يكرّس فيه قانون الصحافة والنشر رقم 88.13 إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، يستمر اللجوء المكثف إلى القانون الجنائي كأداة لإسكات الصحفيين، وهو ما يفرغ الإصلاحات القانونية من محتواها ويحولها إلى مجرد شعارات .
في هذا السياق ، برز اسم وزير العدل عبد اللطيف وهبي كفاعل مركزي في هذا المسار، إذ تشير المنظمة إلى أن أغلب القضايا المثارة ضد الصحافيين جاءت بمبادرة مباشرة منه، مستعملة القانون الجنائي كأساس في المتابعات، في تجاهل واضح لمقتضيات قانون الصحافة والنشر.
قضية الصحافي حميد المهداوي، مدير موقع “بديل أنفو”، شكلت النموذج الأبرز لهذا الوضع، إذ يواجه خمس ملاحقات قضائية، أُدين على إثرها بالسجن وغرامة مالية في قرار اعتبرته المنظمة تحايلاً على قانون الصحافة.
كما شهدت الساحة الإعلامية متابعات مماثلة استهدفت صحافيين آخرين كهشام العمراني، حنان بكور، عبد الحق بلشكر، ومحمد اليوسفي، إذ ارتبطت جميعها أما بتحقيقات أو مقالات ناقدة لمسؤولين سياسيين وشخصيات نافذة.
التشهير: الذراع الخفي لترهيب الجسم الصحافي
بموازاة مع الملاحقات القضائية، أشار التقرير إلى تصاعد حملات التشهير التي تنفذ عبر مواقع إلكترونية متخصصة، تستهدف الصحافيين بل و تمتد إلى عائلاتهم باتهامات خطيرة تتراوح بين “الفساد” و”التجسس”. واعتبرت المنظمة أن هذه الحملات لا تقتصر على النيل من مصداقية الصحافيين فحسب، بل تهدف إلى تدمير حياتهم المهنية والشخصية ضمن استراتيجية ترهيب ممنهجة لإسكات الصحافة المستقلة.
قضية الصحافيين المفرج عنهم بعد العفو الملكي، وعلى رأسهم الصحفي توفيق بوعشرين، سليمان الريسوني، وعمر الراضي، كانت شاهدة على عنف هذه الممارسات، حيث وجهت إليهم حملات تشهيرية منظمة بلغت حد دفع بعضهم إلى مغادرة البلاد، كما حدث مع الريسوني.
ازدواجية القانون: بين النصوص التقدمية والممارسة القمعية
التقارير أعادت التذكير بأن المغرب يمتلك إطارا قانونيا متمثلا في قانون الصحافة والنشر، الذي يفترض أن يكرس حرية التعبير ويحظر العقوبات السالبة للحرية في القضايا المتعلقة بالنشر. غير أن السلطات تواصل الالتفاف حول هذا المكسب عبر تكييف المتابعات في إطار القانون الجنائي، مما يقوض جوهر الإصلاحات القانونية ويفرغها من مضمونها.
ورغم وجود هيئات مهنية مثل المجلس الوطني للصحافة، إلا أن ضعف تدخله في حماية الصحافيين ومعالجة التجاوزات الأخلاقية والإدارية داخل القطاع يزيد من هشاشة الجسم الصحافي أمام توغل السلطة التنفيذية.
ما بين الدعوات الإصلاحية وتراكم الإحباطات
في مواجهة هذا الوضع، دعت “مراسلون بلا حدود” السلطات المغربية إلى التوقف عن توظيف القضاء كوسيلة لقمع حرية التعبير، مطالبة باحترام روح قانون الصحافة والنشر، وملاءمة التشريعات الوطنية مع الالتزامات الدولية التي صادق عليها المغرب، لاسيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
كما طالبت المنظمة بإلغاء “الخطوط الحمراء” التي تحد من حرية الصحافة، مثل المادة 71 من قانون الصحافة، وضرورة إصلاح منظومة الدعم العمومي للصحافة بشكل عادل وشفاف لتعزيز التعددية الإعلامية. ودعت إلى استئناف حوار بناء بين السلطات ومكونات الجسم الصحفي والمنظمات الحقوقية، بهدف إعادة الثقة في المسار الإصلاحي بشكل يضمن التعددية والاستقلالية بعيداً عن منطق الولاء السياسي.
هل المغرب مستعد فعلاً للإصلاح؟
ما يبدو مؤكداً هو أن الصحافة المغربية تمر بمرحلة دقيقة، عنوانها الأبرز هو “الإصلاح المؤجل”. وكل تأخير في معالجة هذه الاختلالات ينذر بمزيد من التراجع في المؤشرات الدولية، ويقوض فرص بناء مشهد إعلامي حر يشكل إحدى دعامات أي مشروع ديمقراطي حقيقي. ومع استمرار توظيف القضاء والتشهير كأدوات قمعية، فإن الأمل في بيئة إعلامية حرة وتعددية يظل رهينا بإرادة سياسية حقيقية في القطع مع هذه الممارسات، والانخراط في إصلاح جذري يضع حرية التعبير كأحد أعمدة البناء الديمقراطي.















