*عبدالرزاق بوغنبور: خبير دولي في مجال الإعاقة البصرية لدى منظمة الألكسو
على هامش مشاركتي في اللقاء التشاوري حول موضوع “الدمج في التعليم العالي بالمغرب المنظم من قبل المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي بداية شهر يونيو 2025 رفقة مجموعة من الخبراء وممثلي المجتمع المدني بالمغرب ، ارتأيت مشاركتكم هذه الورقة البحثية التي كانت جزءا من مداخلتي في هذا اللقاء بهدف اغناء النقاش في هذا الموضوع المهم والمقبل على مجموعة من المستجدات.
يشكل ضمان الحق في التعليم العالي للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية تحديًا محوريًا في مسار تحقيق العدالة التربوية والاجتماعية داخل المجتمع المغربي. فرغم الجهود التشريعية والسياسات العمومية، لا يزال الطلبة المكفوفون وضعاف البصر يواجهون معيقات متجذرة تتعلق بالولوج إلى المعرفة، التفاعل البيداغوجي، والتكييفات الضرورية. تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف مدى إمكانية إدماج الطلبة ذوي الإعاقة البصرية في الجامعات المغربية، اعتمادًا على المرجعية القانونية، وتحليلًا للتجارب الدولية ذات الصلة.
أولاً: الإطار المفاهيمي للإعاقة البصرية والدمج الجامعي
الإعاقة البصرية تتراوح بين ضعف البصر الجزئي والعمى الكامل، وتؤثر بشكل مباشر على قدرة الطالب على الوصول إلى المعلومات المكتوبة، متابعة المحاضرات، أو استخدام الوسائط البصرية التقليدية.
الدمج الجامعي في هذا السياق يعني توفير بيئة تعليمية دامجة تأخذ بعين الاعتبار الحاجيات الخاصة للطلبة ذوي الإعاقة البصرية، من خلال تيسير الموارد والفضاءات والمناهج والأدوات البيداغوجية اللازمة .
ثانيًا: المرجعية القانونية الداعمة للدمج
1. المرجعيات القانونية الدولية :
اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD)، وخاصة المادة 24 التي تؤكد ضرورة ضمان التعليم الجامعي للأشخاص ذوي الإعاقة على قدم المساواة مع الآخرين.
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)، المادة 26، والمادة 13 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966).
قواعد الأمم المتحدة بشأن تكافؤ الفرص للأشخاص ذوي الإعاقة (1993)، والتي تدعو إلى توفير المواد التعليمية بوسائط قابلة للولوج.
2. المرجعيات القانونية الوطنية :
دستور 2011: الفصل 34 يُلزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة لضمان إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة.
القانون رقم 97.13: يضع أسس الحماية والنهوض بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، من ضمنها الحق في التعليم العالي والتكوين.
القانون الإطار 51.17: ينص على مبدأ الإنصاف وتكافؤ الفرص، وضرورة إدماج مختلف الفئات في النظام التربوي.
ثالثًا: واقع الطلبة ذوي الإعاقة البصرية في الجامعات المغربية
رغم وضوح المرجعيات، يظل الواقع مليئًا بالتحديات:
غياب المقررات الدراسية القابلة للولوج بصيغة ابرايل أو الصوتيات.
نقص الموارد التكنولوجية الخاصة بالمكفوفين (قارئات الشاشة، الطابعات الناطقة…).
انعدام التكييفات في الامتحانات وعدم تعميم استعمال المرافقين القارئين أو المساعدين.
قلة تكوين الأطر الجامعية في أساليب التعليم الدامج للمكفوفين.
بنية تحتية غير ملائمة (غياب علامات بارزة، إرشادات صوتية، أو ممرات آمنة داخل الجامعات).
رابعًا: بعض من التجارب الدولية الرائدة في دمج الطلبة المكفوفين
1. الولايات المتحدة الأمريكية ، قانون الأمريكي لذوي الإعاقة (ADA)
يلزم الجامعات بتوفير تكنولوجيا داعمة، ترتيبات تيسيرية، ومواد تعليمية إلكترونية قابلة للقراءة باستخدام قارئات الشاشة.
توجد مكاتب دعم مخصصة لذوي الإعاقة بكل مؤسسة جامعية .
2. المملكة المتحدة – تجربة جامعة أكسفورد
توفر خدمات “الدعم التعليمي البصري” عبر مطبوعات برايل، محاضرات مسجلة، ودعم شخصي.
اعتماد نظام “المنسق الأكاديمي” الخاص بكل طالب كفيف لضمان تيسير التواصل والتكيفات.
3. الهند : مبادرة Inclusive Education for the Visually Impaired
استخدام واسع لتقنيات OCR (التعرف البصري على الحروف) والكتب السمعية.
اتفاقيات بين الجامعات والجمعيات المدنية لتقديم أدوات إلكترونية متطورة بالمجان.
خامسًا: مقترحات لتفعيل الدمج الجامعي للمكفوفين بالمغرب
إحداث وحدات دعم جامعية متخصصة في تقديم خدمات للطلبة ذوي الإعاقة البصرية.
إدماج التكنولوجيا المساعدة في المكتبات والمختبرات (مثل قارئات الشاشة وبرمجيات التعرف على النص)
تكوين الأساتذة في استراتيجيات التدريس الدامج والبيداغوجيا البصرية.
إحداث خلية تحويل المحتوى الجامعي إلى صيغ ابرايل، صوتية، أو رقمية متوافقة مع قارئات الشاشة.
تعميم منح لاقتناء أجهزة مساعدة (حاسوب ناطق، عصا إلكترونية، آلات طباعة ابرايل)
وضع بروتوكولات للامتحانات المكيفة تراعي الخصوصية البصرية (تسجيل صوتي، مرافقة قارئ، مدة زمنية إضافية…).
وكخلاصة لهذه الورقة البحثية لابد من التأكيد على أن إدماج الطلبة ذوي الإعاقة البصرية في التعليم الجامعي المغربي هو التزام قانوني، لكنه كذلك رهان حضاري نحو مجتمع متضامن ودامج. ولكي يتحقق هذا الهدف، لا بد من الانتقال من التنصيص القانوني إلى التفعيل المؤسساتي، عبر الإرادة السياسية، التمويل المناسب، والانفتاح على التجارب الدولية. الطالب الكفيف لا يفتقر إلى القدرة، بل إلى الفرصة، وتلك مسؤوليتنا جميعًا.















