نواكشوط ـ «القدس العربي»: على مدى السنة الجارية، سيتواصل احتفاء موريتانيا باختيار عاصمتها نواكشوط عاصمة للثقافة الإسلامية لعام 2023 حيث ستتواصل التظاهرات والأمسيات والمعارض والمحاضرات المعرفة بموريتانيا التي انطلق المرابطون من جنوب عاصمتها نواكشوط قبل ثمانية قرون، ليفتحوا الأندلس، والتي ظل أهلها على مدى حقب طويلة، يتنفسون عبق المعرفة والثقافة والعلم لينيروا الشرق والغرب بمؤلفاتهم وعلمائهم الحفاظ.
وأعلنت وزارة الثقافة الموريتانية عن خطة عمل خاصة بإحياء نواكشوط بوصفها عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي للعام 2023 وذلك ضمن حزمة من البرامج الثقافية المميزة، ومشاريع للبنى التحتية، داعية الدول الأعضاء في منظمة الإيسيسكو إلى دعم هذه الخطة وإثرائها، والمساهمة في تسريع وتيرة تنفيذها.
عاصمة المرابطين
دخل الدين الإسلامي إلى موريتانيا منذ القرن الثامن الميلادي بفضل التجار المسلمين الذين قدموا إليها، وانتشر الإسلام في البلاد على يد يحيى بن إبراهيم الكدالي أحد زعماء صنهاجة البربرية وذلك بعد عودته من الحج ومعه عبدالله بن ياسين الذي أنشأ رباطا قرب العاصمة نواكشوط لتدريس علوم الدين سنة 1035.
وعند تولي المرابطين وهم فرع من قبيلة صنهاجة، الحكم في القرن الحادي عشر اعتنقوا الإسلام وطردوا إمبراطورية غانا الزنجية من موريتانيا عام 1076 بعد حرب دامت أربع سنوات، وذلك خلال فترة حكم أبي بكر بن عمر اللمتوني، ونشروا الدين الإسلامي في قبائل صنهاجة وقاموا بتوحيدها وعرفت مدن مثل شنقيط وتيشيت ازدهارا دينيا وفكريا.
تاريخ نوق الشاطئ
واختلف المؤرخون في معنى اسم العاصمة الموريتانية نواكشوط، بين من أكد أنها كلمة أمازيغية معناها بئر الخشب، وبين قال إنها كلمة محرفة عن نوق الشط أي إبل الشاطئ.
وإذا كان تأسيس العاصمة نواكشوط يعود لما قبل الاستقلال بقليل، فإنها تعتبر وجها حضاريا آخر يعكس بشكل جمعي، أصالة حواضر موريتانيا التاريخية شنقيط ووادان وولاته وتيشيت، التي أُسست من أول يوم، على الثقافة والعلم والمعرفة.
ويعود تأسيس نواكشوط إلى أواخر خمسينات القرن العشرين حين اختيرت عاصمة للدولة الوليدة على أنقاض قرية ريفية متواضعة لم يكن عدد سكانها يتجاوز 300 نسمة، وفي 12 تموز/يوليو 1957 عقدت أول حكومة موريتانية في ظل الاحتلال الفرنسي اجتماعا لها تحت خيمة متواضعة في بلدة لكصر التي تقع اليوم وسط العاصمة؛ وفي الرابع والعشرين من الشهر ذاته صدر مرسوم فرنسي يقضي بنقل عاصمة الإقليم الموريتاني من مدينة سانلويس في السنغال إلى نواكشوط العاصمة الجديدة.
وفي 5 اذار/مارس 1958 تم وضع حجر الأساس للعاصمة نواكشوط في حفل حضره السياسي الوطني المقاوم المختار ولد داداه الذي أصبح لاحقا أول رئيس للبلاد، وشارل ديغول رئيس فرنسا التي كانت موريتانيا تخضع لاستعمارها وحكمها.
اختيار ومسار
واستوحت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة الإيسيسكو، نشاط عاصمة الثقافة الإسلامية، من البرنامج الذي أطلقته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، الألكسو، باختيار عاصمة الثقافة العربية؛ وتبنت الإيسيسكو عام 2004 برنامج عاصمة الثقافة الإسلامية التي تسند سنويا إلى ثلاث مدن إسلامية واحدة عن كل من المناطق الإسلامية الثلاث العالم العربي وأفريقيا وآسيا.
ودارت العاصمة الثقافية الإسلامية والعربية على العواصم الإسلامية والعربية، حتى في جوار البلاد الجغرافي العربي والأفريقي، وحتى أن الدول أصبحت تستضيف العاصمة الثقافية في بعض مدنها غير الرئيسة.
وكانت موريتانيا قد تخلت عن التظاهرة في عام 2011 بسبب عدم الجاهزية، بعد أن صودق عليه في اجتماع وزراء الثقافة في منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد بالجزائر سنة 2004 وتم التأكيد عليه في مؤتمر الوزراء بطرابلس في ليبيا 2007 إلا أن الشروط الواردة في دفتر الالتزامات لم يبدأ العمل بها إلا سنة 2010 حيث قامت الدولة الموريتانية بوضع آليات من أجل التحضير لهذا الحدث الهام.
وعادت منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة لتختار مدينة نواكشوط عاصمة للثقافة الإسلامية عام 2023 وذلك في قرار أعلن عنه تشرين الأول/نوفمبر 2019 المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم سالم بن محمد المالك، وهو ما اعتبرته وزارة الثقافة الموريتانية «تزكية من المنظمة وشهادة منها لمكانة مدينة نواكشوط الثقافية، ولمكانة موريتانيا عموما في الفضاء الثقافي الإسلامي والإنساني؛ حيث ظلت هذه البلاد ملتقى لثقافات متنوعة، كما كانت قنطرة بين شعوب مختلفة، وحاضنة لحضارات متعددة».
موروث عريق
ينتظر أن تفسح تظاهرة عاصمة الثقافة الإسلامية المجال أمام الكثيرين لمعرفة جوانب مهمة من ثقافة موريتانيا وموروثها العريق، وستشهد العاصمة نواكشوط خلال السنة الجارية العشرات من المهرجانات والتظاهرات الاحتفالية والعروض الموسيقية والانشادية والمسرحية واللقاءات الأدبية والشعرية والمسابقات الدينية والثقافية والندوات الفكرية والعلمية، بمشاركة واسعة من الدول العربية والإسلامية لاسيما في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء وكذلك من دول الخليج التي ما انفكت تقدم الدعم لموريتانيا في شتى المجالات.
ويراهن الموريتانيون على أن تقدم تظاهرة نواكشوط عاصمة للثقافة الإسلامية صورة مشرفة للبلاد خلال العام المقبل، وهو ما أوصى به الرئيس محمد ولد الغزواني خلال الأسابيع الماضية مؤكدا على دور المناسبة في إبراز أهمية حضور العاصمة في محيطها العربي والإسلامي، لاسيما أن للبلاد تأثيرا واسعا في الخطاب الديني والأدبي والثقافي.
واجهة الأصالة
ويجمع المؤرخون على أن مكانة الثقافة في حياة أهل موريتانيا ضاربة في جذور التاريخ عبر ثمانية قرون ونيّف من العطاء العلمي والازدهار المعرفي التي تعاطاها كل العلماء والمؤرخين والباحثين، مثلما حملتها قوافل العلم والحج والدعوة والتجارة.
وتفتخر موريتانيا التي عرفها العالم الإسلامي تاريخيا باسم بلاد شنقيط نسبة إلى ركب الحج الشنقيطي الذي كان جسرا علميا وثقافيا ربط أهل هذه البلاد بأشقائهم في المشرق والمغرب وأفريقيا، بأنها بلاد المحظرة الجامعة التقليدية، تلك الجامعة الصحراوية المسافرة أبدا على ظهور العيس، والتي خرجت على المقولة السائدة بأن البادية لا تنتج معرفة ولا علما.
أيقونة المعرفة
تخرج من أخصاص المحظرة الموريتانية وأعرشتها، عشرات العلماء الذين حملوا اسم بلاد شنقيط إلى العالميْن العربي والإسلامي، بل وصنعوا من اسمها أيقونة أصبحت بمثابة الكناية الصريحة عن التبحر في الشريعة واللغة، وهو ما صدقته العطاءات التي تركها الشناقطة في كل بلد مروا به، فكانوا ضيوفا معززين مكرمين؛ بل ومرغوبين؛ لأن وجودهم بأي مكان مثّل إضافة كبرى، وآثارهم خير دليل على ذلك؛ إذ كانوا في مكة والمدينة والحجاز والخليج ومصر والعراق والأردن والسودان وتركيا والهند وبلاد المغرب العربي وأفريقيا جنوب الصحراء.
منارة والرباط
هنا على أديم هذه الأرض، يؤكد الدكتور الخليل النحوي في كتابه: شنقيط منارة العلم والرباط، تحلق الشعب الموريتاني بجميع ألوانه وأعراقه حول كلمة التوحيد واتخذها دستورا وعروة لا انفصام لها، وحصنا وأمانا جابه به عوامل التفرقة وحطم به مقولات الغلو والتطرف، وهنا وَجدت لغة القرآن ثواءً أثيرا حماها قرونا عديدة، وجعل منها أم المعارف وتاج العلوم. فكانت في هرم المناهج المحظرية، ثم نمت وأينعت على شفاه المزامير الداوودية التي تصدح بالذكر الحكيم صباح مساء، وتترنم برقيق الشعر في ليالي الصحراء البريئة وأسمارها الدافئة.
هنا وُجدت الفنون الإسلامية لخدمة هذا الدين، فحقق الإنسان الموريتاني عبر تاريخه اكتفاءه الذاتي في مجالات المعرفة، فنسخ الكتب، وتفنن في حفظها وتجليدها، وانفرد بأسلوبه الفريد في الخط والزخرفة.
مخطوطات وآثار
أكدت اللجنة العليا لاحتفالية «نواكشوط عاصمة للثقافة في العالم الإسلامي2023» أن نواكشوط تعد، بحق، إحدى عواصم العالم الإسلامي المهمة وتختزن كنوزا ثقافية مهمة من خلال الآثار الموجودة في متحفها، والمخطوطات الثمينة في مكتباتها، ومحاضرها، بالإضافة إلى الحركة الثقافية في جامعاتها ونواديها الأدبية والموسيقية، ومعارضها.
وأضاف «نواكشوط إضافة إلى ذلك، تمثل عاصمة لبلد عريق الثقافة، غزير العطاء، من خلال محاظره الفريدة من نوعها، والتي آخَت بين البداوة والعلم، في حدث تاريخي واجتماعي فريد، وانتشر علماؤها كسفراء لها حول العالم بموسوعيتهم العلمية، وحفظهم الذي بهروا به أينما حلوا، بالإضافة إلى بصمة موريتانيا في مجالات الثقافة المتعددة، من موسيقى غنية، وصناعة تقليدية مبدعة، وزينة وأزياء، هذا إضافة إلى غنى الثقافة الموريتانية نظرا لتعدد روافدها، وتنوع مجتمعها المتوحد تحت راية الإسلام الجامعة».
ندوات ودعم
وقد زخرت الندوات التي نظمت ضمن احتفالية «نواكشوط عاصمة للثقافة الإسلامية 2023» والتي ستتواصل طيلة العام بجلسات علمية تركزت حول مواضع أهمها صورة الشنقيطي في المصادر العربية الحديثة، وعلماء موريتانيا في المشرق الإسلامي، وعلماء موريتانيا في حواضر الغرب الإسلامي، وطريق الحاج، ملامح من التأثر والتأثير، وملامح المثقف الشنقيطي في رحلات الحج، وآثار المعارف المحظرية في طريق الحاج: رحلة العلامة الموريتاني محمد يحي الولاتي نموذجا، وهموم الوطن والأمة من خلال التواصل العلمي بين موريتانيا والعالم الإسلامي، والتواصل العلمي بين موريتانيا وأفريقيا جنوب الصحراء.
وفي ذات السياق، أعلنت منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة عن برنامج موسع لمواكبة احتفالية نواكشوط، يشمل حفظ وتثمين المواقع التراثية والعناصر الثقافية الموريتانية المسجلة على لائحة الإيسيسكو للتراث في العالم الاسلامي، والمساهمة في ترميم عدد من المواقع التراثية، وتقديم الدعم المؤسسي من خلال المساهمة في إنجاز التصميمات الفنية والمواصفات البنيوية لقصر الثقافة ومتحف المخطوطات بنواكشوط.
كما أعلنت المنظمة عن المشاركة في عقد الندوات والمهرجانات والمعارض والجوائز في مجال التراث والأدب والشعر والفن، وتنمية المواهب الناشئة والعناية بالفئات ذات الاحتياجات الخاصة المقررة ضمن برنامج الاحتفالية، إضافة للتعاون مع السلطات الموريتانية في تنظيم المؤتمر الدولي الثاني حول دور القيادات النسائية الجامعية، والعمل على تطوير الصناعات الاقتصادية الثقافية، وبناء القدرات الشبابية في هذا المجال.
ويشمل هذا برنامج كذلك إطلاق منتدى الإيسيسكو للشعراء، واقتناء لوازم إعادة تهيئة قاعة الآثار بالمتحف الوطني الموريتاني، واقتناء مواد تشغيل مختبرات المخطوطات في نواكشوط ومدن شنقيط ووادان وتيشيت وولاته، واقتناء لوازم فنية لفائدة المعهد الوطني الموريتاني للفنون، ودعم إنجاز تصميمات قصر الثقافة ومتحف المخطوطات بنواكشوط.















