تزامنا مع ذكرى النكبة الفلسطينية واستمرار حرب الإبادة، تجري صحافية إسرائيلية مقاربة بين المحرقة النازية وجرائم الاحتلال الإسرائيلي، وتقول إن المحرقة لم تمت، بل نامت ونهضت من جديد لحرق الفلسطينيين على يد ضحايا النازيين أنفسهم.
في تقرير مطول في صحيفتها “هآرتس”، تروي الصحافية الإسرائيلية المقيمة في رام الله منذ سنوات، عميرة هاس، أن أعمال الناجية من المحرقة، الرسامة اليهودية تسيّا ستويكا، تُعرض في “مركز الرسومات” في نيويورك، وما إن تقع العين على هذه اللوحات والرسومات حتى تقبض على الأنفاس، فيها ما يدهش، وفيها ما يبدو مألوفا على نحو موجع. كل عمل قائم بذاته، لكن الأعمال مجتمعة تفتح بابا واحدا على الرعب.
كما تقول هاس إن أعمال ستويكا، من التشخيصي إلى التعبيري وصولا إلى ما يكاد يكون تجريدا كاملا، تنقل الهول الذي عاشته طفلة، والعنف المنفلت الذي وُضعت في مواجهته، والطبيعة التي كانت ملاذا ثم انتهكتها القسوة وخربتها، ثم التلاشي البطيء للإنسان وهو لا يزال حيا.
وتتابع هاس: “أنا ابنة ناجين من المحرقة، وكل لوحة لتسيّا ستويكا أعادت إلي شيئا عن والدي؛ شيئا لم أسألهما عنه يوما، أو نسيته، أو دفنته في داخلي”.
وطبقا لهاس، وُلدت تسيّا ستويكا عام 1933، وفي عام 1943 رُحلت والدتها وإخوتها الخمسة من النمسا إلى معسكر أوشفيتس، حيث أُسكنوا في أسرّة خشبية ضيقة داخل ثكنة قرب المحارق. وكان والدها قد نُقل قبل ذلك إلى معسكر داخاو، حيث قُتل عام 1944. ومات شقيقها الأصغر بالتيفوس، وتحول كثير من أفراد العائلة الممتدة إلى رماد في المحارق.
وتضيف: “من هناك نُقلت ستويكا مع والدتها وشقيقتيها إلى معسكر “رافنسبروك” شمال برلين، ثم رُحلن في يناير 1945 إلى “بيرغن بيلزن”، حيث بقين حتى تحرير المعسكر في منتصف أبريل. وعندما عدن إلى فيينا، وجدن الإخوة هناك”.
وشم على الأذرع
وتستذكر هاس أنه في أوشفيتس وُشمت الأرقام على أذرع النساء، وكان رقم تسيّا، التي لم تتجاوز العاشرة، 6399. وقد أنجبت ستويكا أربعة أطفال، وعاشت من بيع السجاد، واستبدلت حياة الترحال بسكن دائم. وفي أواخر الثمانينيات، حين بلغت الخامسة والخمسين، بدأت تروي وتكتب وترسم، كأن ما عاشته حدث بالأمس فقط. وقد توفيت عام 2013.
وتبوح الصحافية الإسرائيلية عن مكنونات قلبها بالقول: “كل ضربة فرشاة لدى تسيّا ستويكا تتحاور مع ما عاشه والداي وعرفاه وروياه. أحياء وأموات متكدسون جنبا إلى جنب. حشود بشرية تُدفع وتُحشر قرب الثكنات وغرف الغاز. والنازيون، بابتسامات عريضة، يراقبون أولئك المرسلين إلى موتهم ويجلدونهم بالسياط. ترسم ستويكا أحذيتهم الثقيلة، وأظنها ترسم أيضا، هنا وهناك، تلك الابتسامة”.
وتقول هاس إنه منذ طفولتها، كانت صور النازيين وهم يبتسمون أثناء تعذيب أسراهم، أو حتى وهم يراقبونهم في طريقهم إلى القاطرات، تثير في دواخلها الغثيان والاشمئزاز والكراهية.
عميرة هاس: تلك الابتسامات – الموثقة اليوم في مقاطع فيديو ينشرها الجنود أنفسهم على شبكات التواصل، إلى جانب معتقلات فلسطينيات مقيدات ومعصوبات الأعين، أو أمام قرى وأحياء دمروها – تبدو لي كسكاكين مغروسة في ظهر والدي الناجيين من المحرقة
وتعود للرسامة اليهودية وللمقاربة بين تجربة الجنود النازيين والجنود الإسرائيليين، فتقول: “تنجح ستويكا في تحرير هذه المشاعر، التي تعجز الكلمات وحدها عن احتوائها، ونقلها إلى لوحاتها. الابتسامة بحد ذاتها ليست عنفا. لكن تلك الابتسامات – الموثقة اليوم في مقاطع فيديو ينشرها الجنود أنفسهم على شبكات التواصل، إلى جانب معتقلات فلسطينيات مقيدات ومعصوبات الأعين، أو أمام قرى وأحياء دمروها – تبدو لي كسكاكين مغروسة في ظهر والدي الناجيين من المحرقة”.
وتقول هاس إن ستويكا رسمت أسراب الغربان التي كانت تنجذب إلى رائحة الجثث، منوهة إلى أن الغربان في أعمالها ليست مجرد طيور، بل رمز للقوة والوحشية اللتين لا تنضبان لدى صانعي الموت، وصورة ملازمة للموت نفسه، الذي كتبت عنه: “حتى الموت كان يرتعب من أوشفيتس”.
وعن ملاحقة الغجر والتمييز ضدهم بعد الحرب، كتبت: “أخشى أن تكون أوروبا قد نسيت ماضيها، وأن أوشفيتس لم يمت، بل ينام فقط”.
وتضيف هاس: “في غزة ليست الغربان هي الحاضرة، بل الجرذان. جرذان حقيقية تماما. بعدما نهشت ما تبقى من الأجساد تحت الأنقاض، صارت تقتحم خيام الأحياء بحثا عن لحمهم أيضا. كابنة ناجين يهود، التهمت في طفولتي ومراهقتي كتبا لا تُحصى عن المحرقة. وما زالت تطاردني أوصاف الجرذان في غيتو وارسو وفي مجاري الصرف الصحي. وما زال حاضرا في ذاكرتي اشمئزاز أبي العاجز من الجرذان التي كانت تركض بين ساقيه في الغيتو الذي سُجن فيه ثلاث سنوات. وكابنة لناجين من الهولوكوست، أعرف جيدا غطرسة الإنكار وقسوته حين أراها أمامي”.
وتشير إلى أنها تخشى أن تكون أوروبا قد نسيت ماضيها، وأن أوشفيتس لم يمت، بل ينام فقط، كما قالت الناجية من المحرقة تسيّا ستويكا، التي تُعرض أعمالها اليوم في نيويورك.
نار مجازية
وتنبه إلى أن ستويكا رسمت نارا مجازية وأجسادا تتطاير بين ألسنتها، أما في غزة فالعالم يتلاشى تحت القصف؛ قنابل “ذكية” وأخرى عمياء.
وتضيف في هذا المضمار: “رسمت ستويكا وجوها بلا ملامح خلف الأسلاك الشائكة، وأسلاكا شائكة بلا بشر، وعيونا بلا وجوه. لكن عيني أمل اللوزيتين، وجبهة مصطفى العالية، والغليون في فم سمير فيما تضيق عيناه من الضحك، وغمازة يافا، تعيد جميعها ملامح الوجوه إلى أصحابها. كل إنسان حي هناك فقد عشرات، وربما أكثر، من أفراد عائلته وأصدقائه”.
وتذكر بأن الاحتلال، قبل الحرب، كان يحتجز 2.3 مليون إنسان داخل 365 كيلومترا مربعا، واليوم، بعد اقتطاع “الخط الأصفر” و”الخط البرتقالي”، لم يتبق سوى نحو 120 كيلومترا مربعا، نحاصر فيها قرابة مليوني إنسان، بعد خصم القتلى، والجثث المتحللة بلا دفن، والمعتقلين الذين يذبلون في السجون، ومن تمكنوا من الفرار.
وتخلص الصحافية اليهودية هاس للقول في مقاربتها: “كابنة لناجين من عربات التهجير، أعرف أن الهولوكوست لا “تحدث” من تلقاء نفسها. هناك من يصنعها، وذلك يحتاج إلى ما هو أكثر بكثير من قادة وضباط، وأحذية ثقيلة وابتسامات. وكابنة للمجتمع الإسرائيلي اليهودي الذي يصنع الهولوكوست، جلست منهارة على المقعد في وسط قاعة “مركز الرسومات”، فيما كانت أعمال تسيّا ستويكا تروي لي أيضا حكاية غزة اليوم”.














