النص ليس مجرد رسالة عتاب، بل شهادة سياسية وأخلاقية تستحضر ذاكرة سنوات الرصاص، وتطرح سؤالاً مؤلماً حول العلاقة بين الانتهاكات الماضية والمواقع التي يشغلها بعض رجال الدولة في الحاضر.
تقوم قوة الرسالة على المفارقة بين مسارين متناقضين: مسار ضحية تقول إنها انتقلت من الاعتقال والتعذيب إلى العمل الدبلوماسي الدولي، ومسار تصفه الرسالة بأنه انتقال من ممارسة القمع إلى موقع التمثيل التشريعي.
ومن خلال هذه المقابلة، يضع الكاتب قضية عدم الإفلات من العقاب في مواجهة سؤال المصالحة والعدالة الانتقالية.
وتستمد الرسالة تأثيرها من استحضار أماكن وأزمنة محددة، من درب مولاي الشريف بالدار البيضاء سنة 1976 إلى جنيف سنة 1995، ثم إلى البرلمان سنة 2026. بهذا الترتيب، لا تبدو الذاكرة مجرد استعادة للماضي، بل وسيلة لمساءلة الحاضر، والتذكير بأن معالجة الانتهاكات الجسيمة لا تكتمل بمجرد الاعتراف بها أو جبر أضرار ضحاياها، بل تتطلب أيضاً البحث في المسؤوليات وضمانات عدم التكرار.
ومن الناحية البلاغية، يعتمد النص على المخاطبة المباشرة، والتكرار، والتضاد بين الزنزانة والبرلمان، وبين الضحية والجلاد، وبين تقييد الجسد وانتصار الفكرة. وهي عناصر تمنح الرسالة نبرة احتجاجية حادة، وتجعلها أقرب إلى مرافعة أمام محكمة التاريخ منها إلى رسالة شخصية.
لكن القراءة المهنية تقتضي التمييز بين القيمة الأدبية والسياسية للنص وبين الوقائع التي يتضمنها. فالاتهامات المباشرة بالتعذيب، وتحديد المسؤوليات الفردية، والربط بين أشخاص بعينهم، تحتاج إلى توثيق مستقل قبل اعتمادها في مادة إخبارية.
كما أن وصف شخص بأنه جلاد أو اتهامه بالتورط في انتهاكات ليس حقيقة مثبتة بمجرد ورودها في رسالة، بل ينبغي نسبتها إلى صاحبها وإسنادها إلى شهادات أو وثائق موثوقة.
الخلاصة: تضع الرسالة سؤالاً يتجاوز أصحابها: هل تستطيع المصالحة الوطنية أن تظل مكتملة في نظر الضحايا ما دامت أسئلة المساءلة والإنصاف والذاكرة مفتوحة؟
إنها مواجهة بين رواية الضحية عن الماضي وصورة المؤسسات في الحاضر، وبين الحاجة إلى طي صفحة الانتهاكات وضرورة عدم طيّها قبل استكمال الحقيقة والعدالة.
نص الرسالة
رسالة إلى الجلاد… إلى تلميذ قدور اليوسفي القابع اليوم في البرلمان
من: جمال بنعمر
المكان: من زنزانة رقم… درب مولاي الشريف – الدار البيضاء 1976
إلى: قبة البرلمان – الرباط 2026
يا سيدي الجلاد الصغير،
لا أعرف اسمك الجديد. آخر مرة رأيتك، كنت تحمل الهراوة خلف معلمك. كان معلمك قدور اليوسفي يعلّمكم كيف تحفرون الأخاديد الدموية على ظهور الأطفال بضربات السياط، وكيف تتلذذون بصرخاتهم.
أنا لا أكتب لك أستعطفك. أنا أكتب لك لأن التاريخ يلتف، وها نحن نلتقي مرة أخرى.
تتذكر يناير 1976؟
كنت تلميذا في ثانوية بتطوان، عمري 18 سنة، في حقيبتي منشورات لـ “إلى الأمام” كتبها أبراهام السرفاتي. لم أحمل سلاحا. حملت فكرة.
جئتم في الليل، عصبتم عيني، كبلتم يدي، ورميتموني في ذلك القبو سيئ الذكر درب مولاي الشريف. هناك كان معلمك قدور هو الجلاد الرئيسي.
هناك تعلمت أن الإنسان يمكن أن يبقى معصوب العينين لشهور. مكبل اليدين طوال الوقت. هناك سمعت رفاقي يموتون تحت التعذيب. عبد اللطيف زروال، أمين التهاني… ماتوا ولم يروا التغيير الذي حلمنا به.
حكمتم عليّ بـ 10 سنوات. وأنا من داخل الزنزانة، على ضوء شمعة، حصلت على الباكالوريا، ثم الإجازة، ثم بدأت الماجستير بالمراسلة. لأنكم تستطيعون سجن الجسد، لكن لا تستطيعون سجن الفكرة.
وتتذكر جنيف 1995؟
بعد 20 سنة، التقينا مرة أخرى. لم أكن ذلك الطفل المعصوب. كنت دبلوماسيا في الأمم المتحدة. وكنت أنت… أو معلمك قدور، ضمن الوفد الحكومي الرسمي المغربي جاء ليدافع أمام لجنة مناهضة التعذيب في الأمم المتحدة، ويسوق “زورا وبهتانا التزام المغرب بالمعايير الدولية”.
يومها وقفت وفضحتك أمام صحافيي العالم. قلت: هذا هو جلادي.
ظننت أن تلك هي النهاية. لكنك لم تنته.
اليوم أراك في البرلمان.
معلمك قدور مات يوم 28 يوليوز، مات وهو يتمتع بتقاعده، بحماية الدولة، بالإفلات المخزي من العقاب، كما كتبت أنا يومها. مات دون محاسبة.
وأنت، تلميذه النجيب، خلعتم بدلة الكوميسار، ولبستم بدلة البرلماني. انتقلتم من قبو درب مولاي الشريف إلى قبة البرلمان. من تعذيب المعارضين إلى التشريع باسم الشعب.
تتحدثون اليوم عن “عرشان” وعن منطق العرشانية، عن منطق التحكم، عن نفس المنظومة: منظومة تعتبر المعارض خطرا يجب تصفيته أو سجنه أو تدجينه سبيلا للبقاء جاثما على صدر المغاربة.
أريد أن أقول لك شيئا واحدا:
أنا خرجت من الزنزانة إلى الأمم المتحدة. من معتقل سري في الحي المحمدي إلى مبعوث خاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، أتفاوض مع رؤساء وحكومات، وأقود انتقالا سياسيا لبلد بأكمله.
وأنت خرجت من نفس الزنزانة، كجلاد، إلى مقعد في البرلمان.
هذا هو الفرق بيننا.
أنت تمثل الماضي الذي يرفض أن يموت. أنا أمثل المستقبل الذي حاولتم قتله ولم يمت.
أكتب هذه الرسالة ليس لك، فأنت لا تقرأ. أكتبها للتاريخ، وللأطفال الذين سيقرأون غدا أن في هذا البلد كان هناك درب اسمه درب مولاي الشريف، لم يكن مجرد مكان عابر، بل كان جزءا من منظومة قمع استهدفت خيرة شباب هذا الوطن.
وأكتبها لأقول: ملف الانتهاكات الجسيمة لا زال مفتوحا. طالما أن الجلاد يلبس بدلة برلماني، وطالما أن الضحية لم ير العدالة، فالمصالحة أبوابها لا زالت مفتوحة وصفحاتها السوداء لم تغلق.
جمال بنعمر
الضحية الذي أصبح شاهدا
والسجين الذي أصبح مبعوثا أمميا














