حين تتحول التظاهرة الوطنية إلى امتحان محلي للحكامة الثقافية، وحين يصبح السؤال عن المال العام وكرامة المهنيين أكثر إزعاجاً من بعض العروض نفسها.
منذ انتقال المهرجان الوطني للمسرح من مكناس إلى تطوان سنة 2015، دخلت المدينة مرحلة جديدة من علاقتها بأبي الفنون. واليوم، ونحن أمام دورته السادسة والعشرين، يكون المهرجان قد بلغ عشر دورات منذ استقراره بالمدينة، وهي مدة كافية لطرح سؤال التقييم والمساءلة.
“حراس المعبد” حين يصبح المفتاح أهم من الخشبة
في كل مشهد ثقافي، ثمة فرق بين من يحرس شروط العمل الفني، ومن يتصرف كما لو أن الثقافة ملكية خاصة. هنا تبدأ حكاية “حراس المعبد”، تلك العقلية التي تعتبر قرب المرء من دوائر القرار أهم من تاريخه المهني، وتتعامل مع الثقافة بمنطق البوابات المغلقة.
في قاموس هذه العقلية، لا يُقاس الفنان بما أنجزه، بل بمدى انسجامه مع هندسة المشهد. وهكذا، يصبح المهرجان وكأنه “معبداً له كهنته”، بينما يُطلب من الفنان المحلي أن يقف خارج السور، مكتفياً بالتأمل في احتفال يُقام في مدينته وكأنه ضيف على تاريخها.
شردمة الغوغائيين… أم إزعاج الذين اعتادوا التصفيق؟
حين يرفع فنان صوته مطالباً بالإنصاف، تظهر أحياناً فئة لا تناقش جوهر السؤال، بل تنشغل بتشخيص السائل وتذكيره بما يجب أن يصمت عنه. هكذا يصبح السؤال جريمة، والنقد سوء نية، والاختلاف خروجاً عن الجماعة.
إن وصف المنتقدين بالغوغائيين لا يُبطل حججهم، فالمؤسسات لا تُقاس بقدرتها على إسكات الأصوات المزعجة، وإنما بقدرتها على الإجابة عن الأسئلة المشروعة والوقوف عند الوقائع والمعايير.
المال العام… ذلك الممثل الذي لا يظهر في الملصقات
المهرجان الوطني للمسرح ليس حفلاً خاصاً، بل تظاهرة عمومية تشرف عليها وزارة الثقافة بشراكة مع عمالة تطوان. وقد سبق للوزارة أن نشرت معطى مالياً قدره مليون وخمسمائة ألف درهم، غير أن هذا الرقم لا يكفي لتحديد الميزانية الإجمالية ولا مساهمات الشركاء.
من حق الرأي العام الثقافي أن يسأل عن التكلفة الإجمالية للتنظيم، وكيف وُزعت النفقات، وما الحصيلة بعد عشر دورات. هذه ليست أسئلة عدائية، بل محاسبة مشروعة، لأن الشفافية تحمي المؤسسات وتمنح التظاهرة مصداقية أكبر.
المجالس المنتخبة بين المساهة والمحاسبة
إذا كانت الجماعات الترابية شريكاً في تمويل الثقافة، فإن دورها لا ينبغي أن يختزل في الحضور البروتوكولي أو التقاط الصور. فالشراكة العمومية مسؤولية تقتضي وضوح الأهداف وتحديد الالتزامات وتقييم النتائج.
ومن حق ساكنة تطوان أن تعرف ما إذا كانت المساهمات العمومية أُدرجت ضمن اتفاقيات واضحة، وما المؤشرات التي اعتمدت لقياس أثرها على المدينة ومهنييها، فليس من الحكمة أن نطلب دعم الثقافة ثم نعفي المسؤولين من السؤال عن نتائج هذا الدعم.
الفنان التطواني صاحب الدار الذي ينتظر بطاقة الدخول
لعل المفارقة الأشد إيلاماً هي شعور بعض الفنانين المحليين بأن علاقتهم بالمهرجان ما تزال أضيق من تاريخهم مع المسرح. ولا يتعلق الأمر بالمطالبة بحصة مجانية في البرمجة، فالمهرجان وطني، لكن وطنيته لا تعني أن تتحول المدينة المضيفة إلى مجرد عنوان بريدي.
هناك فرق بين أن يُقال للفنان المحلي إن عمله لم يُختر وفق معايير معلنة، وبين أن يشعر بأن حضوره المهني لا يدخل أصلاً ضمن تصور العلاقة بين المهرجان ومحيطه. والمطلوب ليس امتيازاً باسم الجغرافيا، بل عدالة في الوصول إلى المعلومة واحتراماً للكفاءة.
عشر دورات وما بعد الصورة التذكارية
عشر دورات ليست مناسبة لإعادة إنتاج خطاب الاحتفاء نفسه، بل فرصة لتقييم تجربة كاملة. ما الذي تحقق على مستوى التكوين وتبادل الخبرات؟ وهل أصبحت هناك آلية دائمة للتشاور مع الهيئات المهنية؟
لقد طُرحت سابقاً أسئلة برلمانية حول تدبير بعض الدورات، ولا يعني استحضار ذلك الحكم المسبق على الدورة الحالية، لكنه يؤكد أن النقاش حول الحكامة والشفافية ليس ترفاً طارئاً. فالمهرجان الذي يستمر عشر سنوات ينبغي أن يراكم رصيداً من الثقة، والثقة تُبنى بالإنصات والوضوح لا بالبلاغات وحدها.
النقد ليس للخشبة
من باب الإنصاف، الفرق المسرحية المشاركة لا تتحمل مسؤولية الأسئلة المتعلقة بالتدبير أو الاختيارات التنظيمية. فهي جاءت بأعمالها وبجهد ممثليها وتقنييها، ومن حقها أن تجد جمهوراً يحتفي بها ومناخاً يسمح لها بالتنافس الشريف.
إن نقد الاختيارات لا يعني التقليل من قيمة العروض، والمطالبة بالشفافية لا تعني التشكيك في اجتهاد الفنانين، بل إن المهرجان يزداد قوة حين ينجح في الجمع بين جودة التنافس وعدالة البيئة الثقافية.
حين يسدل الستار تبدأ المحاسبة
لسنا في حاجة إلى هدم المهرجان، بل إلى تحصينه من كل ما قد يضعف علاقته بالمدينة ومهنييها. ولسنا ضد الاحتفال بالمسرح، بل ضد أن يصبح الاحتفال بديلاً عن الحوار، أو أن تتحول الصورة الرسمية إلى معيار وحيد لقياس النجاح.
لا أحد يطالب بإلغاء المهرجان، كل ما في الأمر أن بعض الناس يريدون معرفة من يملك المفاتيح، وبأي صفة، ووفق أي قواعد. فالمسرح في جوهره ليس فن إخفاء الحقيقة وراء الديكور، بل فن جعلها مرئية.
وإذا كان الستار قد ارتفع عن الدورة السادسة والعشرين، فإن الستار الذي ينبغي رفعه حقاً هو ستار الأسئلة المشروعة: أين تذهب الموارد؟ وكيف تُبنى الشراكات؟ وأين يقف الفنان المحلي من كل ذلك؟














