عشر سنوات مرّت على رحيل الحاجة خديجة الشاو المنوزي، لكن غيابها لم يُطفئ السؤال الذي رافق حياتها، ولم يُغلق الجرح الذي ظل مفتوحاً في قلبها: أين الحسين المنوزي؟ وما مصيره بعد اختطافه بتونس في 29 أكتوبر 1972؟
رحلت الأم، لكن السؤال بقي. غاب الجسد الذي أنهكته سنوات الانتظار، وظل الانتظار نفسه شاهداً على مأساة لم تجد طريقها بعد إلى خاتمة تنصف العائلة وتضع حداً لعذاب الشك والغياب.
لم تكن الحاجة خديجة مجرد أم تبحث عن ابنها؛ كانت امرأة اختصر مسار حياتها فصولاً من تاريخ المغرب المثقل بتضحيات المقاومة، وآلام القمع، وملفات الاختفاء التي لا تزال تطالب بالحقيقة والإنصاف. حملت وجعها بصبر، وحوّلت حزنها إلى نضال، ورفضت أن يتحول مرور السنوات إلى ذريعة لإقفال الملف أو دفن السؤال في مقبرة النسيان.
كانت تعرف أن مطلبها ليس مستحيلاً ولا ترفاً عاطفياً: أن تعرف أين ابنها، وماذا حدث له، وأن تستعيد حقه في الحقيقة، حياً كان أو ميتاً. لم تطلب المستحيل؛ طلبت حقاً إنسانياً أساسياً، هو ألا تُترك أم معلقة بين الأمل والفاجعة، وألا تُترك أسرة رهينة روايات ناقصة وصمت لا ينتهي.
لكن قصة الحاجة خديجة لم تبدأ باختفاء ابنها. فقد عرفت الفقد مبكراً، حين فقدت والدها، محمد أكونكاي، الذي قُتل سنة 1934 خلال معركة آيت عبد الله بجنوب المغرب، وفق ما ترويه العائلة. ومنذ طفولتها، كان عليها أن تواجه الوجه القاسي للتاريخ، وأن تتعلم كيف يتحول الفقد إلى ذاكرة، وكيف يصبح الألم جزءاً من حكاية وطن.
وكانت زوجة الحاج علي المنوزي، المقاوم والمناضل الديمقراطي الذي ذاق مرارة التعذيب والسجن في عهد الاستعمار، ثم في مغرب الاستقلال. إلى جانبه، عاشت محناً كثيرة، وتقاسمت معه مساراً ارتبط بالدفاع عن الكرامة والحريات.
ثم جاء اختفاء الحسين، ليضيف إلى سجل العائلة جرحاً آخر، أكثر قسوة لأنه لم يمنحها حتى يقين الفقد. فالموت، على قسوته، يترك حقيقة يمكن للمرء أن يواجهها؛ أما الاختفاء فيُبقي الأبواب مواربة، ويجعل كل يوم امتداداً لليوم الذي سبقه، وكل ذكرى مناسبة لاستعادة السؤال نفسه.
هكذا اجتمعت في حياة الحاجة خديجة ثلاثة أجيال من المقاومة والألم: أبٌ ارتبط اسمه بالمقاومة، وزوجٌ دفع ثمن نضاله، وابنٌ اختفى وظل مصيره مجهولاً بالنسبة إلى عائلته. وبين هذه الفصول، وقفت أمٌّ لم تتخلَّ عن حقها في المعرفة، ولم تسمح للحزن بأن يسلبها صوتها.
اليوم، وبعد عشر سنوات على رحيلها، ماذا يعني أن نحيي ذكراها؟
هل يكفي أن نستعيد صورتها، وأن نكتب كلمات الوفاء، وأن ننحني أمام شجاعتها؟ أم أن الوفاء الحقيقي يقتضي أن نعيد طرح السؤال الذي عاشت من أجله، وأن نذكّر بأن قضية الحسين المنوزي ليست مجرد ذكرى عائلية، بل قضية حقيقة وكرامة وحق في معرفة المصير؟
إن تكريم الحاجة خديجة لا يكتمل بالدموع، ولا بالعبارات المؤثرة وحدها. يكتمل حين تظل الحقيقة مطلباً قائماً، وحين لا يُعامل مرور الزمن باعتباره حكماً بالنسيان، وحين تظل حقوق العائلات التي تنتظر معرفة مصير أبنائها حاضرة في الذاكرة العامة وفي أي مسار جاد للإنصاف.
فليس من العدل أن ترحل أمٌّ وهي تحمل سؤال ابنها، ثم يمر عقد كامل على غيابها من دون أن يفقد السؤال مشروعيته. وليس من الإنصاف أن يتحول الانتظار الطويل إلى أمر عادي، أو أن يُطلب من العائلة أن تتعايش مع المجهول كما لو أن الغياب قدر لا يستوجب جواباً.
إن الحقيقة ليست منّة من أحد، والذاكرة ليست عبئاً ينبغي التخلص منه، والعدالة لا تفقد ضرورتها لأن أصحاب الألم شاخت أجسادهم أو رحلوا عن الدنيا.
من أجل الحاجة خديجة، ومن أجل الحسين، ومن أجل كل أم انتظرت طويلاً أمام باب لم يُفتح، وكل أسرة عاشت بين رجاء العودة وخوف الفقد، يبقى النداء واضحاً: لا تجعلوا الزمن بديلاً عن الحقيقة، ولا تجعلوا الصمت جواباً عن سؤال المصير.
رحلت الحاجة خديجة الشاو المنوزي قبل عشر سنوات، لكن غيابها لا يعني نهاية حكايتها. لقد تركت وراءها وصية غير مكتوبة، عنوانها أن كرامة الإنسان تبدأ من حقه في الحقيقة، وأن الوفاء للمفقودين لا يكون باستحضار أسمائهم فحسب، بل بمواصلة المطالبة بكشف مصائرهم.
رحلت الأم، لكن القضية لم ترحل. وانطفأ صوتها، لكن صدى السؤال ما زال قائماً: أين الحسين المنوزي؟
ذلك هو السؤال الذي لم يمت، وذلك هو الجرح الذي لن تداويه الكلمات وحدها.
عائلة الحسين المنوزي
الدار البيضاء، 21 أكتوبر 2026














